زهرة الأبيرو


1
حُمَّى الشوق تهدأ مع برد الليلْ...
الليلُ يحملُ معنىً خاصاً وأنت فيه...وحين تغيبين...
لا شيء في الليل يُذكَر.
.
أنت والليلُ شبيهان...
حلكتهُ وألوانك القاتمة ظلامٌ يُسدلُ أجنحته ويضمني .
هدوء الليلِ...ونغمات صوتك صخبٌ يملأ القلب والروحْ .
جلالُ الليلِ ومهابة عينيك إنتقالٌ من ضيقِ المكان وضيق الزمانِ إلى اللاحدود .
.
أصبحتُ أحبُ الليل...النور يفقدُ قيمته حين يغدو مجرد شعاعْ
نورٌ من نوعٍ آخر..ذلك النور الذي ينسابُ من الإسمِرارْ
.
أحببتُ الليلِ لأنه النهار الذي تُشرق فيه (إيفا)...وكرهتُ النهار لأنهُ الليلُ الذي يحجبها

2
(إيفا)
يا أحلى زهرة في حديقة الـ (أودَ مارتْ)...يا أمنية في قلب غريب يعشقُ الزهر عشقه للحياة .
لم أقطف في عمري زهرة ..وعمري تقطفهُ الزهور .
أرفضُ أن أفجع عاشقاً بمعشوقته...أرحمُ ضعف الغصنِ وضعف الزهرة وأرهما بضعفهما معاً يُجسدان الجمال.
لا يفرقُ بين متعانقين إلا من لم يتذوق في عمره طعم العناق .

3
من يُحس الجمال ويراه بروحه يقدرهُ أكثر ممن يراهُ بالعين المجردة .
هؤلاء الذين ينظرون إلى (إيفا) بأعينهم...لا يرون فيها أكثرَ من نجمةٍ في سماءٍ لا تُحصى
النجماتُ فيها ولا تُعدْ...
أنا حين أنظرُ إلى (إيفا)..أنظرُ بعيون الروح...فأرى فيها السماء..
(إيفا) جسدٌ مُتناسقُ كقصيدة
بَشَرةٌ فيها من لون الشرق ولون الغرب مزيج..
شعرٌ يسلبُ التركيزَ بتماوجه...
تتحرك كمقطوعة موسيقية تأسرُ الحواس بريقُ عينيها بريقُ الدمعة فوق خدِّ طفل..
لونهما لون الجنة في خيالِ مؤمن...عمقهما عمق ذاكرةِ الإنسانية..وحديثهما حديث الطبيعة لشاعرٍ مُلهَمْ.

4
الرابعة صباحاً...
ألملم أشيائي المبعثرة فوق الطاولة القابعة في زاوية (الأبيرو)...أتلكأ قليلا..أقبسُ نظرة أخيرة ...ثم أمضي لا ألتفتُ لوراء.
أحاول أن أقنع نفسي بأن (إيفا) ستتابعني بنظراتها حتى أتوارى.
أدخلُ غُرفتي الحقيرة...تتناثرُ الأشياءُ فيها تناثُر الأفكار في ذاكرتي..أرمي ما بيدي فوق المكتب...وبنفسي فوق السرير...أغفو إلى السادسة مساءً موعد العودة إلى حيثُ يسكنُ الألمْ.

5
تأخرتُ بالأمسِ ساعة..
لم يكن معي ثمن فنجان القهوة الوحيد الذي اشربه كل ليلة من يديك

6
ساحة ( الأودَ مارت ) فارغة بدونك..فارغة حتى مني...
أنا لستُ موجودا ما دامت
(إيفا) غائبة..
كتلة من الأحاسيس أنا
لا شيء أملك غيرها
تتلاشى أحاسيسي حين تتلاشين كالضباب من أمامي.....فأتلاشى أنا.

7
الأحلام الجميلة عودتني ألا تتحقق...لكنك يا أجمل حلمٍ أملك...كل يوم......تتحققين..
تعودين لتكتبي سطراً جديدا في صفحة أمانيَّ المقتولة إنتظارا.
لم تُخلقي لي...
أحاول أن أملك روحك قَسراً فلستُ أريدك جسدا...ما أسهل إمتلاك الجسد عنوة في شريعة الغاب.
الأرواحُ يا (إيفا) لاتُغتصب...
لأنها معنى...المعاني تُمنَحْ...
أحاول أن أملك روحكَ...لأهبك إياها...
روحك من عالمٍ علوي شفاف نقي..وجسدك تُرابيٌ غارِقٌ في اللذائذ...
قمة لذة الجسد الإنساني لا تساوي لحظة لذةٍ روحية...
لذائذُ الحس يا (إيفا) فيها من الخسارة في النهاية ما لا يُحجَّم....
كلما إزدادت لذة الجسد كلما فقدنا من إنسانيته أكثر.

8
أفتقدُ الرغبة بالحياة في هذه الليلة ولم أمتع ناظريَّ بك...
ولن أستطيع النوم إن حاولت...
أود لو أموت حتى الليلة القادمة.

9
أتمنى ـ ويا لكثرة ما أتمنى يا زهرة الأبيرو ـ أتمنى لو نطير معا فوق سطحِ الأرض أو نغوص في أعماقها...
أتمنى لو نغفو قليلاً على ذراعِ الريحِ في رحلةٍ إلى ما بعدَ البُعد...أراكِ حيثُ لا موسيقى إلا صوتك...ولا طبيعة إلا عيونك
ولا ليلَ إلا شَعرُك..ولا نهار إلا جبينكِ..ولا أحدَ إلا..الله ....ونحنُ.
.
أحبُ (الأبيرو)..أحبها لأنك زهرتها..لأنها عالمك الصغير وعالمي..فيها إلتقينا..وفيها لم نزل..وظني أننا فيها سنبقى ما دمتُ أخشى دعوتكِ للرحيل إلى عالمٍ أوسع..
عالمٍ بلا حدود...
قلبي

10
لمَ تُمعنين في تجاهلي...؟؟؟
ألمْ تُدركي بعد...أنني عاشق...؟
كل روادِ (الأبيرو) وعمالها يعلمون بأنك سلبتِ عقل هذا الغريب...أحسهم يتعاطفون معي.....ألمح في أعينهم رثاء وشفقة يمتزجان بغير قليلٍ مِن الإعجاب والدهشة..وكأنهم
أدركوا أنَّ هذا النوع من الحب
أصعب من أن يستطيعوه
وأرقى من أن يصلوا إليه :
هذا التفاني والإغراق في الوحدة...هذه اللامبالاة بكل شيءٍ عداكِ...هذا الترفع عن المحسوسات...وهذا الرضى بالقليل..تلك أشياء لا يعرفونها ...ولا يستطيعونها...فلا يملكون.حيالها إلا الإنحناء...
عيناك نبعُ الحنان الأخضر أحلى ما فيكِ فاتركيهما تمارسانِ حنانهما...
كأني بهاتين الحبيبتين لم تعرفا القسوة إلا معي...
ألأنني غريب يا تُرى...؟
أم لأن الحب الذي تحكيه عيناي مخيفٌ بنقائه...؟
لماذا يا سيدتي...؟
الأنَّ هذا الوجه ينطقُ بالكهولة...؟ أم لأن ملامحي تناجيك بلسانٍ آخر...؟
أم لأن مظهري ومسلكي يوحيانِ بالفقر...؟
ألا تعلمين يا (زهرة الأبيرو):
أن الكهولة وجهٌ آخر للتجربة...
وأنَّ الملامح الغريبة وجهٌ آخر لفكرٍ مختلف...
والفقر وجه آخر للغنى...؟؟؟

11
كنتِ حزينة جدا ليلة أمس
لا أحد يعرفُ الحزن كما أعرفه...أراهُ وإن توارى وراء ألفِ ثوبٍ من أثوابِ السعادة واللامبالاة.
ولا أحد يعرفك كما أعرفك أنا ... وإن لم أكن أعرفك إلا كما يعرفُ البشرُ قمرَ السماء..
أقرأ داخلك ككتابٍ مفتوح..
أتلامسُ ومعانيكِ المحترقة
أمسح بمنديلِ الروح دمعكِ المنهمر إلى الداخل..
أسمعُ صوتَ نبضك..وخفقاتِ فؤادك..وأشمُ عطرَ أمانيكِ...
كنتِ حزينة مساءالأمس... وتضحكين..
روحك يتملكها ألمٌ من نوع آخر
وجسدك مرهق...وترقصين...
أعظم الأحزان هو ذلك المنبعثِ كدخانٍ شفافٍ تكادُ العينُ لا تلمحه....في داخلك تحترقُ الأماني في أتونِ الهروب من واقعٍ قذر.
.
أعظم الآلام هو ذلك الناتجِ عن معاناة الروح...
وإرهاقُ الجسد حينَ لا جُهدَ يُبذلُ...ما هو إلا حديثُ الروح عن آلامها.

12
الذئابُ كثيرة يا حَملي الوديع
والذبابُ أكثر.
أعجبُ لِحَملٍ يحاولُ أن يكون ذئباً
وأعجبُ أكثر لِحَمَلٍ يرضى بأن يكون ضحيةً للذئاب.
.
ترقبك عيونهم في نهم
وتحلمُ السنتهم بالتهامك ومضغ جمالك في ليلةٍ حمراء...
ترقصين على حافة الموت
تتقاذفك الأيدي بعد أن تشرب من رحيق شبابك وترتوي...
يعاودها العطشُ....فتسعى من جديد...إليكِ...
ألفُ يدٍ أخرى...تنتظر...تحلم...وتقتلها الرغبة في لمسِ هذا الجسدِ المميز...
.
وحدي أنا من بين هؤلاء يا (إيفا)
أرقبُكِ بعينِ الأسى
وأرنو إليكِ بطرف المودة
وأصغي إلى همس خطاكِ على بلاط (الأبيرو)
وأحلمُ اكثر ما أحلم أن ألمس خدك بطرف بناني لأمسح عنه...دمعة ندم...
أحاولُ أن آخذك بعيداً عن حضيض الرغبة...وسعار الجسد...وشبق الحيوانات...
وجوع الذئاب...وقاذوراتِ الذباب...
فأنا.... يا زهرة (الأبيرو) لم أرَ في حياتي ذُباباً يتجرأ على لمس الزهور...
ولا زهوراً ترضى بأن تكون طعاماً للذبابِ إلا في بلادكم...
.
أظن جسدك وقد فقد من طول إحتكاكه بأجسادهم الميتة حسه...قد أصبح
تمثالاً من لحمٍ ميت...
عيناكِ تصرخان : النجدة!!!
(إيفا) الداخل تريدُ أن تتحرر
تريدُ أن تنطلق بعيداً عن هذه الدمن...
وما تلك النظرات التي تُرسلها عيناكِ نحوي إلا ما يختلسها المضمون في غفلة الشكل
ليعبر لهذا العاشق عن...شيءٍ ما...لعله الحب
.
في قرارة نفسك أنت تعرفينني...لأنك فيها تعرفين ما الذي تريدينه حقيقةً...
تعرفين أنك قتيلة تتمنى الحياة...وحين تُجَسِدينها تقرأين في وجهي عنوانها...فتدركين
أنني الحياة البديلة التي تريدين

كلي يثيرُ مكامن الحاجة في روحك السجينة
كلُ ما فيَّ غريب عنك...جديدٌ عليكِ...وماذا يكون البديل إن لم يكن الغريب الجديد..

وأنا...
على أملٍ في أن يستفيقَ السُباتُ...أعيش.

13
هذه الشمعة فوق طاولتي ترقصُ على نغماتِ أنفاسِك...
وأنا...والبردُ القارسُ نشعرُ بالدفء...
بينما تتمايلُ الشمسُ غبطة بلذة النسيم العليل.
فنجان القهوة القديم يرتجفُ في يدي...
يكادُ رغم برودته يحرقُ شَفَتيَّ...
لمسة واحدة من أناملك تُحيلُ جليد الكونِ شمساً من حنان...
في البردِ والهجير آتي إليكِ سعياً وراء النقيض...
هذا الكيان الأسطوري منبعٌ للحياةِ والموت في آنٍ معا
يتوهجُ في عينيَّ بياضاً واخضرارا ووروداً تُسقى بماءِ الجمال...

14
عيناكِ خضراوان لكن الظلام يسكنهما عُمقاً ومعنى
في ظاهرِ الليلِ ترقصُ النجوم
ويأتلقُ البدر
وفي باطنه تختبي الأحزان.
.
كل جمالٍ في هذه الدنيا يحكي بداية لنهايةٍ ما...
الطفولة الغضة بداية رحلةٍ تنتهي بالشيخوخة...
والشيخوخة المهيبة حجرٌ أول في بناء القبر...
.
عمرنا المحدود هذا هو أغلى ما نملك
وجمالنا قصير الأمد أثمن ما نحرص عليه ونخاف...
أليسَ من الحماقةِ بمكان أن نكون بإرادتنا سبباً في تقصيرِ
هذا العمر الغالي وتشويهِ هذا الجمال الثمين!!!؟
اتركي العمر يمضي على سجيته
لا تدفعيهِ ليهرمَ مسرعا
دعي جمالك يحيا عمره الذي يستحق ليحجب عن هذي الأجواء قبحها ودمامتها.
اللحظة لا تكون بديلاً لِعُمرْ
المتعة كالرزق شيءٌ مقسومٌ مجزأ على الأيامِ التي نحيا...
أحمقٌ ذابح الإوزةِ التي تبيضُ ذهبا ليأخذ الذهبَ مرةً واحدة
أحمقٌ من يدفع العمر ثمناً لمتعة
أحمقٌ من يضحي بإنسانيته على مذبح لذةٍ آنية...
.
أسمعهم يتهامسون...
ويعلو الهمس ليصبح صُراخاً يخرقُ مسمعي :
ـ (إيفا ) مدمنة
ألا تباً لهم
كيف أصدق!!!؟
كيفَ أصدقُ وأنا لا أرى في (إيفا) غير الجمال...!!!؟؟؟
أيُعقلُ أن تتمكن الرغبة فتغدو سيدة للجمال...!!!؟
هل فُتِحَ الباب بلحظةِ طيشٍ ولم يُغلق حتى تفشَّت الرغبة في
عقلِ الإرادة وتمكنت من عنقها...!!؟
هل إختَصَرَتْ لحظة متعة عُمراً بأكمله...!!!؟
لا أصدق...
وسأنسى ما سمعت...لأنني أدرك أن اليوم الذي ستعترفُ إيفا فيه بوجودي
سيكون يوم ولادتها.

15
مسكينةٌ أنتِ
ومسكينٌ أنا
ومسكينٌ هذا الجمال
الغصنُ الذي يحملك يا (زهرة الأبيرو) غصنٌ مسموم ميت
ينجبُ كل يومٍ زهرةً ليقتلها
وأنا غصنٌ أخضر لا يستطيعُ أن يحمل زهرة مثلك
ليهبها الخلود
وجمالك ما بين الموتِ والخلود يضيع

16
ما أسرع الأيام الأخيرة من عمر السعادة
أسرع من حلم بالحياةِ في لحظة النزع
الحبُ أملٌ بالخلود
فيا لشقاء المحب المحكوم عليه بالموت في لحظة الولادة

ما أقصر عمر علاقتنا !
قصة تخلو من الحدث
نظرات لم يتبعها سلامٌ أو موعدٌ أو لقاء
نظرةٌ تلتها نظرةٌ...تلتهما أخرى كان الفراقُ بعدها

شبحُ الثلاثاء يقترب
ووجه اليوم يشحب
ويبدو أن الحكم لا تراجع فيه.

هل أراكِ بعد اليوم...؟
غداً لن تكون هناك فرصة لاختلاس لحظةٍ من الزمن أراكِ فيها
فليتَ الغد لا يأتي إذا
بل ليتَ ما تبقى من العمر لا يأتي إن لم تكوني فيه

17
آتٍ لوداعك هذه الليلة يا (زهرة الأبيرو)
غداً أكون في طريقي إلى جحيمٍ آخر أقسى من جحيمِ نعيمك
لن أجد عينيك هناك
سأفتقدهما
وأعلم أنني سأفتقدُ نفسي أيضا

كلمة الوداع على شفتيَّ
تهرولُ من داخلي إليهما ثم ترتدُ إليه خائفة
خجلى
فما أصعبَ أن تكون الكلمة الأولى : وداعا

أحبّ إليَّ لو أفارق روحي أمامك من أن أفارقك وروحي معي

آتٍ لوداعكِ هذه الليلة يا (إيفا)
ها هي الساعاتُ تمضي
ولحظة الصفر تقترب
وكلمة الوداع ما زالت تهرولُ باحثةً عن لسانٍ ينطقها
أو عينٍ تلمحها...
أو قلبٍ يلقي القبضَ عليها فلا يُطلقها

18
أعودُ إلى الغرفة وعلى شفتيَّ ابتسامةٌ حائرة
حاولت أن أغفو فرفضني النوم
أنا سعيدٌ رغم أن الغد الملعون آتٍ وفيه الفراق

لم تكوني طبيعية هذه الليلة
بل لعلك لم تكوني طبيعية في عمرك كما كنتِ هذه الليلة
نظراتك لم تفارق المائدة التي جلستُ إليها رغم أن عيوننا لم تلتقِ...
كنتِ كعادتك تواصلين الهروب
لكن عيناكِ كانتا أقوى منكِ
كانتا حنونتين...رقيقتين...
خطواتك...صوتك...نظراتك...واهتزازات جسدك مع موسيقى (الأبيرو)...كل ذلك
لم يكن طبيعيا هذه الليلة...كله كان لي أنا
وحينَ حانت لحظة الصفر
لحظة الموت
عندها فقط وددت لو أموت حقيقة...حين التقت عيوننا بأطولِ نظرةٍ وأعمقها
وأشدها حزناً وتعبيرا عن حقيقة الشعور...
كانت نظرة حب...

أتحبينني يا (إيفا)...؟
قالت عيناكِ :نعم
نظرتك كانت فوق المعقول
كانت حزينة حزن مفارق
حنونة حنان أم
لذيذة لذة الحب
واضحة وضوح النور :ـ
’’ أذاهبٌ أنت !!؟
أتتركني لهم...!!؟
أرجوك
لا تذهب
أرجوك...’’

نظرة واحدة قالت كل ذلك
لن يستطيع أحدٌ أن يُكذِّبها سواكِ
لذا قررتُ الخروج مبكرا خشية أن ألمح في نظرةٍ أخرى
ما يُكذِبُ الأولى

تُرى أهو الحب...؟
الحبُ في قاموسي نظرة وإن لم تليها إبتسامة وسلامٌ وكلامٌ وموعدٌ ولقاء
كما تستطيع العيون أن تنظر...تستطيع أن تبتسم...ولعلها أبرع بالإبتسامِ من الشفاه
تستطيع أن تلقي السلام وتنطق بالكلام...وتغازل
تستطيع أن تحدد موعداً للقاء
لقاء أمتع وأحلى
أغمضي عينيكِ تريني

الحبُ الصامتُ أنزه من الحب المفوَّه
الحبُ الصامتُ لا يكذبُ ولا يدعي ولا يتملق ولا يداهن
ولا يجامل
ولا يداري
الحب الصامتُ إقرارٌ بهيبة المحبوب..

ويحَ نفسي ما أسعدها وما أشقاها
سعيدة باعترافِ عينيكِ
شقيةٌ لأنها مجبرة على الرحيل
النظرة الأولى كانت الأخيرة
لكنها زادي ومتاعي في رحلة عذابي الآتي

19
أيامٌ ثلاثةٌ مضت
ومع كل يومٍ يمضي جزءٌ من صبري واحتمالي البقاء بعيدا عنك

الغربةُ غربة القلب
وغربة القلب أشد من الإحتضار
غربتي مركبةٌ...مضاعفة...
تتراكم الغربة علي كما يتراكم الصدأ على رخيصِ المعادن
وكما يتراكم الظلام في ليلةٍ ليسَ فيها قمر

غربتي الأولى
غربة الجسد عن التراب الذي تكوَّن منه
غربة الفكر عن منابعه الأصيلة ومتنفسهِ البراح
غربة الروح عن آفاقها النقية
غربة المشاعر عن الصدى

غربتي الثانية
غربتي عن البديل
غربتي عنك وعن كل مكونات خيالك في ذاكرتي

أرى الصبر يودعني...
أليسَ فراقُ الصبر غربة ثالثة...؟

20
في حالاتٍ ما تنقلب الأشياءُ إلى أضدادها
وتتغير المعاني إلى النقيض
تصبحُ القدرة على إحتمال الألم ألماً جديداً
ويصبحُ الصمود في وجه الحاجة تخاذلا...وعدم الإعترافِ بها جريمة
والرضى ضعفٌ وعجز

عليَّ أن أعترف بحاجتي إليك
وأفخر بآلامي
وأعلن ضعفي على الملأ
ما عدتُ أملك صبراً على الكتمان
ولا قوةً على البقاء بعيدا عنك...

سأعود
سأكون أنانيا وأعود
فأنا لا أملك يا زهرة العمر إلا أن أعود
هارباً إليكِ منكِ
كما هربتُ منكِ إليكِ

سأعود يا (زهرة الأبيرو) لأسكبَ في أرضِ وجودك قطرات محبتي
أعود لأجلس ثانيةً في مقهى (الأبيرو) معظم ساعات يومي
سأعود يا (إيفا) لأحلم
أواصل الأحلام في غرفتي وحيدا
الحلمُ عزائي الوحيد
متعة روحي الأولى والأخيرة
منفذي إلى ما وراء الطبيعة والحياة والموت
سأجعل عمري كله حُلماً مُتصلاً لا ينتهي
الحلمُ مشاع كحبات الرمل نغرف منها ما نريد حين نريد
عائدٌ إلى عينيكِ وليكن ما يكون
بلا أمل
بلا أماني
بلا تفكير
وبلا تروي

لن آمُلْ...فأمالي دائماً تموت
ولن أتمنى...فالأماني تذكرني بعجزي
ولن أفكر خشية أن يردعني التفكير عن الرجوع إليكِ
ولن أتروى
فأكذبُ الحب ما خالطه التروي

***