صينية القهوة


أذكر هذا الوجه، وهذه الملامح أعرفها ... لكني لا أكاد أذكر شيئاً عن صاحبها أو عن الملف الخاص به في ذاكرتي
حاولتُ أن أتذكر فأعيتني المحاولة ... شيء ما في داخلي أوحى إليّ بأن لهذه الملامح ارتباطاً بعاطفة الحزن عندي ... للقلب ذاكرة خاصة ذات مخزون مختلف أشبه ما يكون بالعامل المساعد على تحريك الذكريات الراكدة في قعر الذاكرة.
- أهلاً
- أهلاً بك يا دكتور (خالد)
- تفضل بالجلوس
- شكراً لك ... أنا آسف لحضوري بدون موعد مسبق.
- لا بأس .. لا بأس .. أترغبُ في شراب بارد أم ساخن ..؟
بدا مدهوشاً لهذه الحفاوة، ودهشتي منها لم تكن أقل ... لا أدري .. كنتُ مدفوعاً بدافع خفي للترحيب به والاحتفاء بمقدمه رغم أن هيئته لا توحي بتلك الإيحاءات الظاهرية كالوقار والهيبة وربما الثراء أحياناً والتي تدفعنا في العادة لتوقير أصحابها ومجاملتهم من قبل أن نعرف حقيقتهم.
جلس على الكرسي المقابل لمكتبي واضعاً يديه المتشاركتين في حجره ومحنياً رأسه ... رحتُ أتأمله منتظراً أن يبدأ الحديث ... كان وسيماً إلى حد كبير .. حنطي البشرية ... شعره قصير وعيناه واسعتان غائرتان وملابسه تدل على حسن الذوق رغم بساطتها.
رفع رأسه ونظر إليّ ... كان التردد بادياً في عينيه
ابتسمتُ مشجعاً ... قال:
- ألا تذكرني يا دكتور؟
- أظن أننا التقينا من قبل ولكن لا أدري أين ومتى؟
- سأذكرك .. لقد التقينا في قاعة الانتظار في عيادة الدكتور مجدي
وفعلاً تذكرت ... كان ذلك قبل شهر تقريباً ... كنتُ اجلس في انتظار انتهاء مجدي من الكشف عن مريض لأدعوه إلى حفلة زفاف صديق عندما تقدم مني هذا الشاب –وكان قد دخل العيادة بعدي- طالباً علبة ثقاب ... اعتذرت منه بأنني لا أدخن ونبهته إلى أن التدخين ممنوع في عيادة الطبيب ووجدتُ نفسي ألفي عليه محاضرة حول أضرار التدخين.
قاطعني قائلاً بدون مقدمات وبكل بساطة:
- لا تتعب نفسك يا أخ ... أنا على موعد مع الموت خلال شهور ... ثم أن معي تصريح خاص من الدكتور (مجدي).
تعارفنا ... وعندما علم أنني طبيب تدفق الكلام من شفتيه بدون انقطاع .. حدثني عن معاناته الطويلة الأمد مع مرض خبيث وأن حياته لن تطول أكثر من شهور قليلة كما قال الأطباء.
واختتم حديثه قائلاً بسخرية محزنة:
- ومع هذا تراني لا أتخلف أبداً عن موعدي الأسبوعي مع الدكتور (مجدي) ... لا لأنني أملك الأمل في أن تتحقق معجزة الشفاء على يديه وإنما استجابة لرغبة والدتي المسكينة التي لا تعلم شيئاً عن حقيقة مرضي وتظن بأنه من تلك الأمراض التي تشفيها وصفات الطبيب وزياراته.
تراودني أحياناً فكرة إعلامها فأشفق عليها خشية أن تقتلها الصدمة ... ترى أيفيدها إشفاقي أم يضرها ..؟ الصدمة آتيةٌ لا ريب ... إن هي إلاّ شهور تمضي لتجد وحيدها مسجى أمامها بلا روح ... ستقتلها الصدمة ... صدمة رحيلي ... فمن سيقوم بحقها حين ترحل ... لا زوج ولا ابن ولا أخ ... من سيوسدها التراب ويضع فوق قبرها الورود..؟ من سيقرأ القرآن ويوزع الصدقات عن روحها؟ من ..؟ ومن..؟ ومن؟ حين يصلُ بي التفكير إلى هذا الحد أركض إليها وكلي عزم على إخبارها بحقيقة الأمر لكن منظرها الوادع يعقدُ لساني .. وكلماتها البسيطة ودعواتها الممتلئة بالتفاؤل والأمل تلجمني..).
كانت عيناهُ قد اغرورقتا بالدموع فدمعت عيوني ... ليس في الدنيا منظرٌ يجعل العبرات تركض في مآقي سوى منظر الدموع في عيون رجل.
واسيته ببعض الكلمات التي تقال في مثل هذا الموقف وعرضتُ عليه مساعدتي فشكرني بعصبية وإباء.
أبكتني حالة (عُمر) في ذلك اليوم وقد كنت أظن أن الدمع تجمدت في داخلي منذ أمدٍ طويل لكثرة ما رأيت خلال حياتي كطبيب من مآسي إنسانية تنفطر لها القلوب.
كان (عمر) وحيد أبويه توفي والده وهو في السنة الثانية بكلية الآداب فاضطر لترك الجامعة والالتحاق بإحدى الشركات الخاصة ككاتب ليعيل نفسه وأمه ... وابتدأ يشعر بعد مرور سنوات بأعراض المرض لكنه لم يراجع الطبيب إلاّ بعد مرور فترة طويلة ليعلم الحقيقة المؤلمة ورفض أن يترك عمله قائلاً لطبيبه:
- سأموت على مقعد العمل ... لن أترك أمي تحتاج أحداً وبي رمق
قلتُ لمجدي يومها:
- هذه شخصية جديرة بأن تحترم ... ليتني أستطيع أن أفيده بشيء
مرّ ذلك كومض البرق بذهني ... شعرت بحرجٍ لنسياني قلتُ:
- أعذرني يا عمر
أجاب وابتسامة باهتة تعلو شفتيه:
- لا داعي للاعتذار يا دكتور ... أنا أعلم كم يسبب لكم المرض أمثالي من إرهاق.
أعقبت ذلك فترة صمت طالت قليلاً ... كان يبدو محرجاً بدون سبب ظاهر ..
احترمت صمته ورحت أعبث بأوراق كانت أمامي.
قال فجأة:
- دكتور خالد ... أنا آتٍ لاعتذار عن شيء ما ... فإن قلبت عذري تجرأت ورجوتك خدمة
لم أفهم ما يعني ولكن أجبت بسرعة:
- اعتذارك مقبول سلفاً فاطلب ما تريد.
قال بعصبية هادئة:
- أرجوك أن لا تعاملني كمريض ... أنت تشعرني بأنك مشفق علي ليس إلاّ ... هذا لا يسعدني ...
قاطعته:
- تأكد أنك مخطئ ... أنا أعرف عشرة مرضى على الأقل يعانون نفس معاناتك ... ولكني لا أعاملهم جميعاً سواسية ... أنا أتعامل مع الناس .. كل الناس من منطلق احترامي لشخصياتهم وقدراتهم ... لقد عرفتُ الكثير عنك من مجدي .. وهذا الكثير جعلني احترمك وأتعامل معك بهذه الطريقة ... ألا تحب أن نكون أصدقاء ... لاحظ أنني لستُ طبيبك..
- أعذرني يا دكتور ... أنا آسف حقيقة ... دائماً أنا هكذا حساس من هذه الناحية أكثر من اللزوم.
- لن أقبل عذرك هذه المرة إلاّ إذا لمست منك ما يؤكد لي تخليك عن هذه الأفكار فهي المرض الحقيقي عند الكثير من المرضى ... المرضى الذي كثيراً ما يكبدهم خسائر كبرى في الحياة الاجتماعية تزيد من مرضهم الجسدي وتضاعفه.
قاطعني سائلاً بنبرة جادة سؤالاً بدا لي لأول وهلة أنه امتحان لمصداقية ما قلته:
- ماذا ستقول يا دكتور إن قلت لك أنني انتحلت شخصيتك أمام بعض الناس ..؟
قالها وعلّق بصره بشفتي ... لم أستوعب الأمور فوراً .. تساءلت بلا تفكير مستغرباً:
- انتحلت شخصيتي !!؟
- نعم ... قلتُ أن اسمي الدكتور خالد حسين.
توالت في ذهني الأبعاد والنتائج السيئة والاحتمالات الخطرة التي قد تترتب على انتحال الشخصية ... إلاّ أن أعصابي ظلت باردة وأنا أحدق فيه باستغراب:
- هلا وضحت لي الأمر يا عمر.
قال باندفاع:
- لا تخش شيئاً يا دكتور لن يكون لهذا أي تأثير سلبي عليك أو على سمعتك كطبيب ... أستطيع أن أستدرك الوضع إن كان فيه ما يسوؤك ... صدقني أنا لم أقصد الإساءة ولم أرمِ إلى هدف مادي ... كل ما في الأمر أني وجدتُ نفسي في موقف ما أعرفُ عن نفسي بأنني الدكتور خالد تباهياً وتجملاً.
ضحكت ... شعرتُ لأول مرة في حياتي بسرور عظيم أمام كلمة مديح .. قلت والابتسامة على شفتي:
- زدني إيضاحاً يا عمر ... سأثق بكل ما تقول.
- شكراً يا دكتور ... لقد أرحتني من همٍ ثقيل كان يربضُ فوق ضميري ... هل تعلم أني ارتحت إليك كما لم أرتح لإنسان في حياتي ... ولم لا يكون الارتياح متبادلاً ... أعتقد أن تعاملك معي ينبع من هذا المنبع ... منبع الارتياح المتبادل ... هل أنا مخطئ...؟
- بدأنا نتفاهم
- سأحكي لحضرتك بالتفصيل ما حدث معي.
- وأنا مُصغٍ
- "لي صديق من عائلة ثرية يسكن في حي (.....) عرفُته حديثاً وتوطدت صلتي به نتيجة لمواقف عدة ... ارتحت كثيراً لصداقته خصوصاً وأنه لم يكن يعرف شيئاً عن مرضي ... فكان ذلك بحد ذاته سبباً في تنامي حبي له وثقتي بعواطفه تجاهي.
في إحدى أمسيات هذا الصيف دعاني للمبيت عنده فوافقته بعد أن علمت أن أهله سافروا إلى الخارج فكان أن جلسنا –ولأول مرة- على الشرفة نتجاذب أطراف الحديث ونتمازح ونضحك.
فجأة أُضيئت الشرفة المقابلة فخلدنا إلى الصمت ... خرجت من بابها فتاةٌ في بداية العقد الثالث من عمرها وفي يدها كتاب ... جلست على مقعد ووضعت قدميها على سور الشرفة وفتحت الكتاب وبدأت تقرأ.
همس فخري وقد رآني معلقاً ناظري بها:
- هيه ... أين ذهبت..؟
قلت هامساً
- من هي ..؟
- ابنة الجيران .. أبوها فلان
قلت
- إنها جميلة
قال بتنهد:
- أعلم ذلك .. إن لي عيون
- يا لسعادتك بهذه الجيرة
- بل قل يا لتعاستي ... عندما سكنّا هنا ورأيتها صرت أسعد إنسان في الوجود ... ولكن بمرور الأيام وتبادل النظرات أدركت أنني لستُ من ذلك النوع الذي يستهويها ... بل بدا لي واضحاً أنها تعرف ابنة من هي.
قلتُ مازحاً:
- وأنت ... ألا تعرف ابن من أنت ..؟
ضحك وقال:
- فارقُ شاسع ما بيننا وبينهم من حيث المادة
- المادة ليست كل شيء
وتابعتُ بعد صمت قليل مزاحي:
- ماذا أقول أنا ..؟
- دعك من هذا يا عُمر ربما كنتُ في نفسك أثرى مني ومنها.
- ربما يا صديقي ... ربما
وتابعتُ ما بيني وبين نفسي: "أنت لا تعلم حقاً كم أنا سعيد ...؟".
كان واضحاً من تصرفات الفتاة أنها لم ترنا فشرفتنا مظلمة وحديثنا بالهمس وهي مغرقة في القراءة كأن ما في الكتاب مستحوذٌ على كل أحاسيسها ... تمنيت لو أعرف اسم الكتاب كي أعرف شيئاً عن باطنها ترى أهو جميل وساحر كظاهرها..
شيءٌ ما في داخلي استيقظ بعد سبات ... إحساس غريب بات يلفني في تلك اللحظة حتى لقد نسيتُ فخري وواصلت التحديق بالفتاة.
- ألا تريد أن تنام..؟
نظرت إلى الساعة كانت قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل ... قلتُ:
- غداً عطلة ولا أجد لدي رغبة في النوم ... اذهب أنت ونم.
- ذنبك على جنبك ... تصبح على خير.
- وأنت من أهله.
بعد دخول فخري وجدتني أفكر ... ترى ما الذي حدث لي ... لماذا أحسُ برغبةً في أن تطول جلستي على صورتها هذه حتى أموت ..؟ ولماذا هذه الفتاة بالذات ...؟
منذ علمتُ بحقيقة مرضي لم أعد آبه بالجمال إشفاقاً مني عليه ... الجمالُ والموت ضدان لا يجتمعان ... للجمال قدسية عندي فكيف أسمح للموت أن يقربه ..؟
أصبحتُ بمرضي إنساناً آخر من عالم آخر ... عالم لا يمت إلى هذا العالم بصلة أعرفُ موعد موتي ... والموعد يقترب فلماذا لا أهيئ نفسي بتجريدها من أهم الارتباطات الحياتية ... لأفارق الدنيا دون أسى ... وحتى لا أزيد عدد القلوب التي تحبني خشية أن يغمرها الأسى برحيلي ... لدرجة أنني أحياناً أتمنى لو تموت أمي قبلي لأجنبها اللوعة عليّ ... ثم استغفر الله.
ما الذي حدث الآن ..؟ ما أشبه الحالة التي نحنُ عليها بحقيقة الحال كله .. هي في النور وأنا أقبع في الظلمة ... يقولون أن الأموات يشعرون بالأحياء ويسمعونهم ويرونهم ... ها أنا الآن أراها وأكاد أسمعُ صوت أنفاسها في الوقت الذي أنا فيه بعيد عنها بعد الموت كله عن الحياة كلها ... ما أجملها!! نعم جميلة وأكثر من جميلة .. إغراقها في القراءة بغض النظر عما تقرأ دليلٌ على أنها مختلفة ... إشارة إلى أنها تملك ثقافة ما وفكراً ما .. للأجل هذا جذبتني ...؟ لا .. إن الحقيقة تكمنُ في إحساسي بأن التفاتها إلي أبعدُ عني من التفات الحياة إلي ... لا أدري ... ولا أريد أن أدري .. لم يحدث شيء ولن يحدث شيء مالي ولهذا الهذيان إن هي إلاّ ليلة وتضمي ويصبح هذا الوجه الجميل في طوايا النسيان كباقي الأشياء الجميلة التي نسيتها أو تناسيتها.
أغلقت الكتاب وراحت عيناها تجولان في الظلمة حتى استقرتا عليّ ... شعرتُ بالارتياح رغم ثقتي التامة بأنها لا تراني ... فهل اخترقت هاتان العينان أستار الظلمة فرأتني أم أنها تفكر في شيء ما وترنو إلى لا شيء.
تسللتُ إلى الداخل وأشعلتُ نور الشرفة وخرجتُ محاولاً أن أظهر أنني خرجتُ لاستنشاق الهواء ليس إلاّ ... لمحتها تعتدل في جلستها وتنتظر بفضول إلى هذا الغريب الذي تراهُ لأول مرة في البيت المجاور ... حاولتُ أن أبدو طبيعياً فنظرتُ إليها كمن فوجيء بوجودها في هذه الساعة المتأخرة من الليل ... حاولت أن أبتسم فضّلت الابتسامة طريقها ووجدت نفسي بدون تفكير أقول:
- مساءُ الخير.
- ازدادت معالم الدهشة وضوحاً على وجهها من جراء هذا التصرف وكانت الدهشة فقط هي التي جعلتها ترد:
- مساء النور
واصلت مرتبكاً
- الجو جميل هذه الليلة
- نعم
- آسف إن كنت قد قطعت عليك خلوتك
- لا بأس
كانت تجيبني بطريقة آلية فاستعصى علي الكلام ولم أعد أدري ماذا أقو فهربت بناظري عنها كمن يبحث في الظلام عن كلمة يواصل بها الحديث.
ويبدو أنها تذكرت الموقف الغريب فقامت ... قلتُ في نفسي ستضيع الفرصة عليك يا (عمر) ... عليك أن تقول شيئاً ... وقبل أن تدير وجهها باتجاه باب الشرفة قلتُ برجاء
- يا آنسة ... أتسمحين لي بسؤال ..؟
قالت بعصبية هادئة
- لطفاً ... من حضرتك ...؟
أربكني السؤال المفاجئ وطريقة إلقائه فأجبت بسرعة:
- أنا صديق صديقي
كان الجواب مضحكاً فأضحكها وجدتُ نفسي أضحك أنا الآخر بسعادة ما لها مثيل أذابت تلك الضحكات المتبادلة ذلك التوتر في داخلي وربما في داخلها لأنها قالت وهي تبتسم:
- وماذا تريد أن تسال ..؟
- الكتاب الذي بيدك ... ما اسمه..؟
سؤال غريب خطر ببالي فجأة فألقيته دون تردد
أجابت ببساطة:
- اقرأ البؤساء لفيكتور هيجو
- رواية رائعة
- هل قرأتها ..؟
- قرأت ترجمة مختصرة لها
- الترجمة التي بين يدي كاملة ... أتحبُ الإطلاع عليها ..؟
- يسعدني ذلك
- سأرمي لك بالكتاب فحاول التقاطه
- أخشى أن يسقط في الحديقة فيتمزق
- لن يسقط ... سيصل إليك بسهولة فالمسافة قريبة
ورمت الكتاب فالتقطته وضحكنا.
قلت بفرحٍ ظاهر:
- وكيف سأعيده لكِ ..؟
- بنفس الطريقة
- عندي مكتبة صغيرة أتحبين أن أحضر لك شيئاً منها..؟
- ولم لا ..
- هل تفضلين كتب بعينها..؟
- الروايات
- سأحضر لك رواية رائعة ستعجبك
- ما اسمها ..؟
- قلوب تحترق
- ستيفان زيفايج لقد قرأتها
وذكرتُ لها أكثر من عشر روايات كانت قد قرأتها جميعاً
- حيرتني ... أهناك رواية لم تقرأيها..؟
- لا أظن
- إذاً سأكتب لك رواية جديدة
- هل تكتب ..؟
- لا ... أنا أمزح
ضحكت ونظرت في ساعتها وقالت:
- تأخر الوقت ... فرصة سعيدة ... تصبح على خير
لا أدري لماذا تذكرت في تلك اللحظة والدتي التي لم يكن يحلو لها أن توقظني إلاّ وأنا في حلم جميل.
قلتُ باستسلام
- وأنتِ من أهل الخير ... أنا أسعد.
ورفعت يدها مشيرة وهي تغلق باب الشرفة
فتحتُ الكتاب ... كان مكتوباً على صفحته الأولى بالحبر الأحمر (إلى منى مع حبي الأبدي) والتوقيع مروان
اسمها منى إذاً ... ولكن من هو هذا المروان..؟
نمتُ مع شروق الشمس والكتاب بيدي لأصحو على يد فخري تهزني.
- قم ... الشاي برد
وقع نظره على الكتاب فقال
- ما هذا الكتاب ...؟ من أين أتيت به ..؟
- سأحكي لك لاحقاً
خرج دون أن يلح بمعرفة الإجابة ... ربما لظنه بأني أخذته من مكتبة والده ... ونسي أن يراجعني ونحنُ على مائدة الإفطار قلتُ له ونحن نشرب الشاي
- أريدُ أن أمضي عندك فترة غياب أهلك ... ما رأيك..؟
- ليتك تفعل ... سأكون جد سعيد بهذا ... ولكن .. والدتك ..؟
- سأذهب يومياً لقضاء حاجاتها ثم أعود إليك ... وسآخذ إجازة من عملي.
- هذا رائع ... سنقضي أياماً حلوة.
- أظنُ ذلك.
قلت بعد تردد:
- تعال نشرب الشاي في الشرفة.
- أراك قد أحببت الشرفة.
- تقريباً ...
- سبق وقلت لك ذنبك على جنبك.
- لن نخسر شيئاً دعنا نحاول
- كان غيرك أشطر!!
نظرتُ باب الشرفة المقابلة فرأيته مفتوحاً على مصراعيه فجلستُ استرقُ النظر وفخري إلى جانبي ينهالُ علي بتعليقاته ... لم يطل انتظاري .. رأيتها تخرجُ ... التفت باستحياء فرفعت يدها وكأنها كانت تنتظر التفاتي:
- صباح الخير
قالت بجذل
- رددتُ:
- صباح النور
بُهتَ صديقي وظلّ على هيئته بجيلُ بصره بيني وبينها
قالت:
- هل أعجبتك الترجمة..؟
- لم أقرأها بعد ... ستعجبني من دون شك
وترددت قليلاً قبل أن أقول:
- الإهداء الذي عليها جميل
- ابتسمت:
- إنها هدية من أخي مروان.
شعرتُ بسعادة غامرة لاحت علي نبرة صوتي وأنا أقول:
- سأقرأها اليوم وأعيدها غداً.
لم أكد أتم الجملة حتى دخلت امرأة بدا واضحاً أنها والدتها فارتبكت والتفتُ إلى صديقي أتمتم بكلمات غير مفهومة.
لم يظهر على السيدة أنها استاءت من الموقف رأيتهما تتحدثان وتبتسمان ... ثم التفتت (منى) إلي وهتفت بصوتٍ عالي:
- إلى اللقاء.
- إلى اللقاء.
كأن للأغنياء تقاليد وأعراف خاصة تختلفُ عن تلك التقاليد والأعراف التي أعهدُ أهل حارتي عليها.
ظلّ فخري على دهشته ينظر إليّ ويهزّ رأسه إلى أن تغلب عليه الفضول في النهاية فسأل:
- بهذه السرعة أيها الشيطان!!؟
- ماذا تعني..؟
- لا تستغبي .. أسألك عن هذا الذي رأيته ... كيف حدث بهذه السرعة
أجبتُ ممازحاً
- هذا لتعرف أن المسألة ليست بالشطارة يا شاطر
وحدثته بكل ما كان ... وقد ازداد حبي له حين وجدته مسروراً غاية السرور وعلّق في النهاية وهو يضحك:
- لهذا السبب طلبت الإقامة معي ... كنتُ أظنك تفعلُ هذا لأجل صديقك فخري خوفاً عليه من الوحدة ... على كل حال مبروك يا عم ... وعقبال الفرحة الكبرى
"الفرحة الكبرى ... أنت لا تعلم شيئاً يا فخري ... أنت لا تعلم شيئاً".
عاودني التقطيب وأطرقتُ ... لكنه لم يلاحظ شيئاً ... قررتُ أن أخبره بالمساء عن كل شيء ... إذ أنني شعرتُ لأول مرة بعجزي عن حمل الأحزان وحدي
وعندما أخبرته مساءً لم يصدق وطن بأنني أمزح ... وأن كلامي مجرد لمسة درامية على القصة.
عدم تصديقه أثارني فصرخت في وجهه:
- سآخذك إلى الطبيب لتتأكد ... أيكون بمثل هذه الأمور مزاح.
واقتنع ... رأيت الدموع في عينيه فثرت من جديد:
- فخري إذا كنت ستتعامل معي بطريقة مختلفة عن السابق فهذا فراقٌ بيني وبينك ..
أتراني عاجزاً عن البكاء على نفسي لتبكي علي
أجاب بحنان:
- رغم أنفي يا عمر ... لا تنسى أنك صديقي ... نعم علاقتنا جديدة ولكني بتُ أحسبك الصديق الوحيد.
قلتُ بهدوء.
- إنه نفس شعوري لكنني أريدك أن تعرف حساسيتي تجاه هذا الأمر ... الذي لا يعلمه إلاّ الله والأطباء وأنت.
استطعتُ بالتجريد أن أجعل فخري ينظر إلى الموضوع من الزاوية التي أنظرُ إليها منه .. خصوصاً وأن سعادتي بتطور علاقتي مع (منى) كانت تضفي لوناً من السعادة على مسلكياتي وأسلوب تعاملي معهُ ومع الحياة بشكل عام.
كانت العلاقة قد تطورت بشكل سريع خلال ثلاثة أيام ولا أدري لماذا لم يخطر ببالها أن تسأل عن اسمي إلاّ بعد مرور تلك الأيام الثلاثة.
- أليس غريباً أنني حتى اللحظة لا أعرف اسمك ..؟
- اسمي!!؟
تنبهتُ فجأة إلى حقيقة الحال ... شعرتُ بغصة في قلبي حين تذكرت من أنا ومن هي ... رغماً عني قررتُ أن أكذب ولا أدري لماذا تذكرت اسمك يا دكتور من بين آلاف الأسماء المختزنة بذاكرتي
- اسمي خالد ... الدكتور خالد حسين
شعرُ بالغيرة عندما وجدتها تسألني بسعادة
- أطبيب أنت ..؟؟
- نعم
- هذا رائع
قلتُ في نفسي: (نعم هذا رائع ... رائع جداً)

ضحكتُ من أعماقي بعد أن انتهى (عمر) من سرد قصته فابتسم هو الآخر وقال:
- ألم تغضب
- ولماذا أغضب ... كل ما في الأمر أنني مستاء لأن هذا ينقص من قدرك خصوصاً في عين (منى) حين تعلم ... ألست معي في هذا ..؟
- بلى يا دكتور ... ولكن
- ولكن ماذا ..؟
- إنّ لي أمنية لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريقك
- ما هي ..؟
- طلبتُ منها أن نلتقي فأصرت علي أن يكون اللقاء في عيادتي ... عيادتك
- أما زلت مصمماً على مواصلة تمثيل هذا الدور ..
- ليس بيدي حيلة
- إعلم يا عمر أنني رغم ما قد يسببه هذا الأمر من مشكلات في المستقبل لا أمانع ... ولكن يصعب علي أن أكون شريكاً في عملية خداع ... ثم ماهي النتيجة بعد هذا كله ... المصير معروف ... سيأتي اليوم الذي تكتشف فيه فتاتك هذه اللعبة ولن تغفر لك أبداً.
- عندما تكتشف هذه اللعبة سأكون قد فارفت الدنيا
لم أدرِ بماذا أجيب ... أفحمني برده فخلدت إلى الصمت
- لم أكن متردداً إلاّ لخوفي من انعكاسات الأمر السلبية عليه وعلى الفتاة مستقبلاً قال برجاء:
- ما قولك يا دكتور ..؟
- لن أستطيع الرفض وإن كنتُ أتمنى أن أرفض
- هل توافق إذاً ..؟
- نعم أوافق
وعلى الرغم من أن موافقتي بدت واضحة بأنها من قبيل الشفقة ومراعاة الشعور إلاّ انه لم يعترض ... لقد كان في داخله بتلك اللحظة شعور أكبر يسيطر على كل المشاعر الأخرى.
واتفقنا على موعد بعد أن وضعنا اللمسات الأخيرة على المسرحية.
وفي الموعد المحدد جاءني وكنتُ قد ألغيتُ كافة مواعيدي في ذلك اليوم وأعطيت إجازة للسكرتيرة.
حاولتُ عند دخوله غرفة مكتبي أن أعطيه نوعاً من الإحساس بالأمان لأخفف من حدة التوتر المتوقع في مثل هذا الموقف ... فقمت مستقبلاً إياه على باب الغرفة قائلاً:
- أهلاً دكتور خالد ... تفضل إلى مكتبك ...
ابتسم بحياء وقال بنبرة حاول أن يجعلها مضحكة:
- شكراً لك يا عُمر
وتركته بالغرفة بعد أن أعطيته ردائي الأبيض فارتداه وخرجتُ في الموعد المحدد لقدوم (منى) لأجلس مكان السكرتيرة في غرفة الانتظار كما هو متفق ... أكثر ما كنت أخشاه أن يحضر أحد معارفي وأنا في هذا الموقف
دخلت (منى) فقمتُ لاستقبالها:
- أهلاً آنسة (منى) ... الدكتور خالد بانتظارك
- شكراً لك
وفتحت لها الباب ودلفتُ ورائها ... كان عمر مرتبكاً ... صافحها ودعاها للجلوس
نظر إليّ برجاء فهمت نظرته فقلت موجهاً كلامي لها:
- هل ترغب الآنسة في شرب شيء ..؟
أجابت بلطف:
- فنجان قهوة إذا سمحت
وخرجتُ وأغلقتُ الباب ... عجبتُ في نفسي سعادتها بهذا الدور وعزوت ذلك إلى تلك الرغبة المكبوتة في النفس الإنسانية في أن تلعب على مسرح الحياة أكثر من دور واحد ... وربما كان ذلك بسبب إحساسي بأني أدخلت السرور على قلب حزين.
لم أحاول أن أسترق السمع بل تلهيتُ عن ذلك بالوقوف على نافذة الصالة مدة قبل أن أدخل المطبخ لإعداد فنجان القهوة للآنسة (منى).
أعددتُ القهوة بيدي وأنا أترنم بأغنية سعيدة ودخلتُ بعد أن أُذن لي بالدخول
كانا صامتين ... في عيني كل منهما دموع ... ما الذي حدث ...؟ يجب ألا أتدخل فليس هذا من شأني كسكرتير
واصلت أداء مهمتي المفترضة:
- آنسة منى قهوتك ...
وقدمت الفنجان الآخر له ودرتُ على أعقابي لأخرج إلاّ أن صوت عمر جاءني حزيناً عميقاً أجفلني:
- دكتور خالد ... أرجوك أن تجلس على مكتبك.
جمدت في مكاني والتفتُ إليه مدهوشاً فقال وهو يقوم من مكانه ويجلس أمامها:
- لقد قلتُ لمنى عن كل شيء.
انتهت المسرحية إذاً ... كم كنتُ أتمنى لو تطول أكثر ... عدتُ أدراجي إلى مكتبي وصينية القهوة لا تزال في يدي دون أن أشعر
ومن بين الدموع أشرقت ابتسامة ... كانت منى تنظر إلي وتبتسم ... فالتفت عمر إلي وابتسم ... فابتسمت أنا الآخر وانفجرنا ثلاثتنا ضاحكين.
لن أنسى هذا الموقف ما طالت الحياة ... ففي أحلك أوقات الأحزان تصدح ضحكات القلوب المعذبة فيتبدل الحزن في لحظة إلى سعادة غامرة ... تلك الأحزان التي تراكمت زالت أمام ضحكة جذلى على منظر الطبيب وهو يحمل صينية القهوة.
وخرجا وأيديهما متشابكة ... لم يتفوه أحدنا بكلمة ... وحين خرجا لم يقولا لي وداعاً وإلى اللقاء.
وقفتُ على النافذة أرقبهما ... كنتُ سعيداً لأنني ضمنتُ أن قلبين على الأقل من كل القلوب في هذا العالم لن ينسياني حتى آخر العمر.

***