المنزل رقم 20

مسرحية من مشهدين


المشهد الأول
ــــــــــــــــــــ

حديقة عامة تتوسطها قاعدة ضخمة تحمل تمثالاً يفوقها ضخامة...يمثل لرجل منتصب القامة يرفع يمناه مشيراً باتجاه ما بينما تتدلى يسراه إلى جانبه مقبوضة الكف....يحيط بالقاعدة سور شجري يشكل دائرة قطرها بضعة أمتار تنفرج في مواضع مشتى عن ممرات تصل ما بين هذه الساحة الدائرية من الحديقة وباقي الساحات.
الساحة شبه خالية من الرواد...ليس فيها سوى شاب يجلس على احد المقاعد القريبة من التمثال يطالع في كتاب...ورجل رث الهيئة يقف أمام التمثال رافعا رأسه إليه يتأمله ولا يحرك ساكناً حتى ليخاله الناظر تمثالا هو الآخر.

تدخل الساحة عجوز ترتدي الزي الشعبي المحتشم و بصحبتها فتاة
ترتدي ما يدل على أنها سائحة قادمة من بلد غربي..

الفتاة: تعالي يا جدتي لنرتاح قليلا على أحد المقاعد...لا شك أنك تعبت .

العجوز : أنا بحاجة للراحة فعلاً...لنجلس هناك قرب تمثال الرئيس حفظه الله.

الفتاة (متمتمة):بل لعنه الله.

العجوز (بغضب):ماذا قلت...؟

الفتاة :أدعو لسيادته

العجوز (تضحك):يا لك من ماكرة...!!! سيسمعك رجاله

الفتاة : تقصدين كلابه...؟

العجوز :إخفضي صوتك أيتها الشقية...هذا ما جنيناه من إقامتك وأمك في البلاد المتحدة الأجنبية...

الفتاة : أسمها الولايات المتحدة الأمريكية يا جدتي...

العجوز : كائناً ما كان اسمها...لقد كان من الخطأ أن تبقيا هناك بعد اختفاء والدك الأحمق

الفتاة :جدتي...!!!

العجوز : أحمق وستين أحمق...ولو لم يكن كذلك لما عاد وهو يعلم بأنه مطلوب هنا...أذكر يومها أننا إنتظرناه أمام بوابة القادمين سبع ساعات ...كنت أنا وجدك رحمه الله في غاية الشوق لرؤية زوج إبنتنا
للمرة الأولى فلم نكن قد رأيناه من قبل...لقد تزوج بأمك في أمريكا أثناء دراستها هناك...وبعد ولادتك بأقل من سنة جاء ليتعرف إلينا ويزور قبر والديه وأختيه الساكنتين هنا...ولكننا لم نره ولم يره بعدها...سألنا عنه جهاز الأمن بالمطار فقالوا أنه لم يكن على متن تلك الطائرة بينما أكدت والدتك أنه استقلها...

الفتاة : مسكين أبي...لو كان انتظر حتى حصوله على الجنسية الأمريكية لما تجرأ أحد على لمسه...لو رأيت كيف عاملوني في المطار...ياه يا جدتي كم يخاف هؤلاء الجبناء من البعبع الأمريكي...!!!

العجوز (بسخرية): هه...والله لو كانت معه الجنسية السماوية لفعلوا به ما فعلوا....إنهم لا يخافون الله...

ـ رجل من العابرين يمر أمام الإمرأتين الجالستين... ـ

العجوز تتابع : حفظهم الله وعافاهم من كل مكروه...وحفظ لنا سيادته من أولاد الحرام...

الفتاة : أمثال أبي...

العجوز : إخرسي يا غبية..أرأيت ذاك الذي مرّ من أمامنا للتو ؟...إنه منهم...

الفتاة باهتمام مصطنع : حقاً يا جدتي...!!!؟ كيف عرفت ذلك...؟
أنه لا يلبس لبس رجال الشرطة.

العجوز (بهمس): إنه عسكري سري... مخبر...لقد عرفته من نظراته إلينا...

الفتاة : بل كان ينظر إلى (تنورتي ) القصيرة...إنظري لقد عاد...

العجوز : الحمد لله يا سميرة...فمنذ أن منّ الله علينا بسيادة الرئيس وكل شيء على ما يرام...الأمن والمواد الغذائية...والمدارس والجامعات ...وحتى المساجد على عهده أصبحت تمتليء بالمصلين
فقد أعطانا الحرية الدينية...و...

الفتاة (مقاطعة) : جدتي...جدتي... لقد ابتعد...لم يعد يسمعك...ثم يا جدتي اسمي(سناء) وليس (سميرة) هل نسيت...!!؟
العجوز (بتهكم): لم أنس أيتها الغبية...هذا مجرد تمويه...علينا أن نكون على حذر من هؤلاء المخبرين الملاعين الذين لا تفوتهم شاردة او واردة.

الفتاة
:أتخافينهم إلى هذا الحد يا جدتي...!!!؟؟
العجوز :
أخافهم عليك لا علي... أنت أمانة عندي...ولست أريد أن يحدث لك ما حدث لوالدك... يا فرحة ما تمت يا ابنتي...فرحتنا في ذلك اليوم الذي إنتظرناه فيه...وزينا له البيت والحارة....ولو كنا نملك لفرشنا له الأرض بالورد والياسمين...وكيف لا وهو زوج ابنتنا ووالد حفيدتنا الوحيدة... لم نره ولا أظننا سنراه أبداً...لقد مضت عشرون سنة...جازى الله من كان السبب...

ترفع يديها إلى السماء وتدعو بصوت عال: يا رب يا قوي على كل قوي خذه وزبانيته أخذ عزيز مقتدر وأرِ أم زوجته فيه ما أريتني بزوج بنتي ...اللهم...

ـ رجل أخر من المارة يقترب من المقعد... ـ

الفتاة بمزاح : جدتي...جدتي ...مخبر آخر يقترب...

العجوز (تكمل): امدد في عمره وانصره على أعدائه وفرّح أم زوجته فيه...

الفتاة لا تتمالك نفسها عن الضحك بصوت عال لفت إنتباه الشاب الجالس على مقربة...و إنتباه الرجل الواقف أمام التمثال...إلتفت الإثنان معاً إلى مصدر الضحكة...

الرجل بصوت متهدج : أسمع ضحكة حقيقية...يا للعجب ؟؟

الفتاة بمرح: نعم ضحكة حقيقية..لمَ الإستغراب يا عم...؟

الرجل (وكانه لم يسمعها) يتابع : ضحكة حقيقية...ضحكة
حقيقية..!!!

العجوز : لا تكلميه...يبدو أنه مجنون.

الرجل يلتفت إلى التمثال : أتسمع...؟ لم يزل في شعبك من يستطيع أن يضحك بصوت عال...هذا الشعب لم يمت بعد ....لم يمت بعد...فلا تفرح...لا تفرح فإنهم قادمون...قادمون أيها الواقف فوق رؤوسنا بدلاًمن وقوفك إلى جانبنا...مشيراً بيدك الملوثة بدمائنا, في اتجاه مخيمنا, بدلاً من أن تشيربها في اتجاه أرضنا المحتلة
دم واقفاً فوقي...فيوم وقوفي فوقك اقترب...لقد إنتهيت من إعداد السُّلّم الذي سأرتقيه لأدوس هامتك بنعلي الممزق هذا...ولن أنزل عنها إلا ميتاً...

وعاد إل صمته وتأمله

الفتاة : من يقول هذا الكلام ليس مجنوناً يا جدتي...إنه أعقل من رأيت في بلادكم...

الجدة : وهل يجرؤ عاقل على أن يقول ما قال...سيعدمونه...

الفتاة : الموت للعقلاء أكرم من الجبن...

تلتفت إلى الرجل...

الفتاة : من هم القادمون يا عم...؟

الرجل :.........

الفتاة : أرجوك يا عم قل لي من تقصد...؟

يتدخل الشاب..

الشاب: عفواً أيتها الآنسة...هذا رجل مسكين...لن يجديك الحديث إليه نفعاً...

الفتاة بسخرية : وهل الحديث إليك سيجديني نفعاً يا سيدي...؟

الشاب بتلعثم : آسف...لم أقصد..أنا قصدت أنه...

العجوز : أعذرها يا ولدي هي فقط تحب المزاح...

ثم موجهة حديثها إلى الفتاة(بهمس) : ما هذا الذي تفعلينه..!؟.نحن هنا ولسنا هناك...البنت المحترمة لا تتكلم مع الناس بهذه الصورة ثم أن الشاب لم يقل شيئا يستحق عليه مثل هذه السخرية...

تصمت قليلاً ثم تلتفت إلى الشاب: هل أنت من سكان هذا الحي يا ولدي...؟

الشاب : ليس تماماً ولكني أعرفه إلى حد ما...أتريدين خدمة...؟

العجوز : نحن نبحث عن هذا العنوان...

ومدت يدها بورقة صغيرة فترك الشاب مقعده واقترب وتناول الورقة منها وقرأها...

الشاب : المخيم ليس بعيداًعن هنا......إذا خرجت من باب الحديقة الخلفي ستجدين أمامك شارعاً طويلآ مغلقاً في نهايته وليس له سوى عطفة إلى اليمين...حيث أول شوارع المخيم...الحقيقة هو شارع وحيد ينتهي عند الحدود الشرقية للمدينة فلا عمران بعده ...وهناك تقع الحارة التي يسميها الجميع حارة السادة...

العجوز : شكرا لك..

الشاب : العفو...خدمة أخرى يا خالة...؟

الفتاة : أنا آسفة...

بدا عليه الإرتباك ثانيةً : لا..لا..لم يبدر منك ما يدعو للأسف...أنا من يأسف لتدخله فيما لا يعنيه كل ما في الأمر أنني أردت أن أختصر عليك الطريق..إذ أن الحديث مع هذا المسكين لا يجدي فعلاً
فهو يسمع ويفهم كل شيء لكنه لا يتحدث إلا مع تمثال سيادة الرئيس...هي المرة الأولى التي أراه منفعلاً هكذا فهو في العادة لا يكلم التمثال إلا همساً...وهذه حاله منذ أكثر من ثلاث سنوات...لا يكل ولا يمل ولا يأبه لبردٍ أو حر...لكنني في الحقيقة لم أكن أعلم أنه يكره
الرئيس...

الفتاة (مقاطعة) بتهكم ضاربة كتفها بكتف جدتها:حفظه الله...

الشاب كمن يقولها مرغماً :حفظه الله.

الفتاة : باهتمام : أتكرهه...؟

الشاب : من..؟

الفتاة : هو...

الشاب : من هو...؟

الفتاة :هو... حفظه الله...

الشاب مبتسماً : سؤال خطير...

العجوز : أفهِمها ذلك يا بني بالله عليك قبل أن تودي بنا في داهية.

الشاب : وأنتِ..؟

الفتاة : أنا ماذا...؟

الشاب : أتكرهينه...؟

الفتاة : سألتك أولاً...فأجبني أجيبك ....

الشاب : تصعب الإجابة عن سؤال كهذا إن لم أتعرف على السائلة...

الفتاة : أنا (سناء) مقيمة في أمريكا...واحمل جنسيتها...وهي أولى زياراتي لـ(....) وهذه جدتي لأمي ...نحن جالستان هنا في استراحة قبل مواصلة السير إلى حيث قالوا لنا أن والدي الذي لا أعرفه يسكن...
وبالمناسبة ...ليس لدي (بوي فرند) ويسعدني أن أتعرف على شاب مسلم عربي...غير متعصب... نتفاهم ونتزوج..و....

العجوز (بصوت عال) : ما هذا لكلام الفارغ ألا تستحين...!!!؟؟؟

الفتاة : ومم أستحي يا جدتي..؟ أتفضلين إذا زواجي بأمريكي...؟؟؟

العجوز بدهشة : لا معاذ الله ولكن البنات هنا لا يتكلمن هكذا وخصوصاً مع الشبان الأغراب...

الفتاة : ذلك لأنهن مقموعات مظلومات سُلِبنَ حقوقهن التي أعطاهن إياها الشرع...أنا لا أرضى أن أكون واحدة منهن....كما لا أرضى أن أكون كالأمريكيات...ربتني أمي على أن أقول ما أشعر به بكل صراحة وصدق ما دام لا يسيء إلى أحد ولا يخدش الحياء ولا أسيء به الأدب...ولو كان أبي موجوداً لما عارضني في ذلك...فلقد أحبت أمي فيه أكثر ما أحبت إعتداله وإنصافه واحترامه لإنسانيتها...لا يا جدتي أنا لا أراني مسيئة في هذا..أبداً...

والتفتت إلى الشاب الذي كان يتابع الحديث مبتسماً : وأنت..ما رأيك فيما سمعت...؟

الشاب: لو كانت لي أخت لتمنيتها أن تكون مثلك

الفتاة : أتجاملني...؟

الشاب : بل أقولها من قلبي...ولدي البرهان...

الفتاة : البرهان...؟

الشاب : إذا منَّ الله عليك بالعثور على والدك سيسعدني أن أزوره برفقة والدي لنشرب فنجان قهوة وإن لم تعثري عليه لا سمح الله...فسيشرفنا أن تسمح لنا جدتك بزيارتها في بيتها...

طأطأت الفتاة رأسها مبتسمة بينما أخذت العجوز تمتم في جذل : لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم...طبختما الموضوع بهذه السرعة...!!!؟؟؟

الشاب : وهل في ذلك عيب يا خالة..؟.نحن في النور وأمامك وأمام الله على سنته وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام...

العجوز : لكننا لا نعرف عنك شيئاً يا بني..

الشاب : لن تجدي فيّ ما يعيب إن شاء الله...أنا مهندس معماري ...موظف في الحكومة...ووالدي معلم مدرسة...لي أخوين استشهد أحدهما...والآخر طبيب في المقاومة...أمي متوفاة منذ ثلاث سنوات ...وعندي بيت صغير فوق بيت والدي...

العجوز : ما شاء الله ... ما شاء الله...

الشاب : أأعتبر الموافقة المبدئية قد حصلت أيتها الأم الطيبة...؟

العجوز : لا تسألني واسألها هي...

الشاب : ينظر إلى الفتاة: ها...؟

الفتاة بنبرة جادة : دعني أرى أبي أولا...ولكل حادث حديث...

الشاب : هذا حق...أتسمحين لي بمساعدتكما في البحث عنه...؟

الفتاة : يسعدني ذلك..

الشاب : هيا بنا إذاً...فالشمس على وشك المغيب...

يتحركون في اتجاه أحد المخارج...ثم يتوقف الشاب فجأة...

الشاب: أتسمحان لي بأخذ هذا المسكين معنا...؟ فهو إن لم يجد من يأخذ بيده إلى حيث يسكن ظل هنا حتى الصباح..أعلمُ أن هناك طفلٌ من جيرانهِ على ما أعتقد يأتي يومياً في مثل هذا الموعد لأخذه ... وأخشى أن يتأخر...

العجوز : ولم لا...؟ جزاك الله خيراً يا بني..

الشاب : هيا يا عم إلى البيت...

يمسك بيده ويخرج الأربعة.

المشهد الثاني
ـــــــــــــــــــــ

*شارع من شوارع المخيم مكون من بضعة بيوت متباعدة فقيرة الحال...يظهر الأربعة من أول الشارع

الفتاة : أهذه هي حارة السادة...ما حال حارة العبيد إذاً...؟

الشاب :هناك حارة اسمها حارة (العبيد ) فعلاً...أو هكذا يسميها أهل هذه المنطقة...وهي ذلك الحي الذي يسكنه الوزراء ورجال الدولة وأصحاب رؤوس الأموال...

الفتاة : عبيد القوة و...المالْ..

الشاب للعجوز : ما رقم المسكن يا خالة...؟

العجوز : المنزل رقم (20)

الشاب : إذا فهو ذاك الذي هناك...لننتهي من تأمين صاحبنا أولاً...

يلتفت إلى الرجل الماشي خلفهم...

الشاب : أين تسكن يا عم..؟

يواصل الرجل سيره دون إجابة ويمشي الثلاثة ورائه...

وفي لحظة بعينها ... يدرك ثلاثتهم أن ذلك الرجل الماشي أمامهم هو صاحب البيت
رقم(20)

إذاً فهو...

وأجهشت المرأتان بالبكاء في نفس اللحظة

العجوز : إنه هو... هو...إنه

الفتاة( باكية) : أبي يا جدتي...أبي...

تلتفت إلى الشاب قائلة بكبرياء حزين: : والآن...؟ أما زلت تريدني...وهذا الميت أبي...؟

الشاب
(وقد اغرورقت عيناه ) يسرع الخطى وراء الرجل منادياً:عماه...عماه...
يقف الرجل ويستدير فيتقدم منه الشاب ويمسك بيده ويقبلها : عماه...أتقبلني زوجاً لابنتك...؟

ـ انتهت ـ

***