الستار الأبيض

*قصة قصيرة

 

الممرات ضيقة وتغص بالناس...وعلى الجوانب تصطف المقاعد والموائد الخشبية يجلس إليها الرواد بعضهم يأكل وبعضهم يتجاذب ومن معه أطراف الحديث .
البعض الأخر كان يجلس محدقا في وجوه القادمين والرائحين وكأنه يبحث عن شيء ما في تلك الوجوه المختلفة لونًا و شكلاً وسناً .
في الأروقة الخالية من المطاعم ...ينتشر الباعة المتجولون يعرضون أشيائهم ويدللون عليها بصوت منخفض عادة ما تكون فيه نغمة الأنوثة ...وينتشر العازفون والممثلون والمغنون يعرضون فنونهم على المارة واضعين أمامهم حقيبة ...أو علبة من الكرتون تفغر فاها لاستقبال ما يجود به المعجبين من قطع النقود.
وساحر هنا ومشعوذ هناك... لتغدو الممرات حاوية لخليطٍ من الأشياء يندر أن يحتويها مكان واحد... الأمر الذي يجعل زائريها للمرة الأولى يطفحون عجبا ودهشة واستمتاعا.
حاولت ان أكون مختلفا اظهر عكس ما يدور في داخلي فانظر إلى الأشياء نظرة عابرة...مصلحا مشيتي بين الخطوة والأخرى كلما تملكني العجب وجعلني انظر وأتصرف بتلك العفوية المعهودة في العرب الذين يزورون أوروبا لأول مرة... فيبدو لهم كل شئ فيها ساحر فاتن ...كنت ابذل مجهودا جبارا لأمنع نفسي من الوقوف خشية ان أتعرض لموقف مثير للحرج انا في غنى عنه ، حتى لقد رواد تني نفسي على الهروب مكتفيا بما رأيت ولكني لم افعل...
واصلت المشي ببطء لاجدني فجأة وقد تسمرتُ في مكاني لا أقوى على مواصلة السير الذي لم افكر فيه أصلا ...ولا على إغلاق فمي المفغور أعجابا بتلك الفتاة الواقفة على احد الأرصفة متكئة إلى عمود النور النحاسي المُثبت أمام واحدٍ من محلات التحف ..وفي يدها قيثارة تصدر عنها نغمات شجية آسرة...
في مطلع الثلاثين كما قدرت ..شقراء يعلو وجهها شحوب غريب يزيدها جمالا وفتنة ، وتطل من عينيها السماويتين نظرة ساهمة شاردة... تدل على ان صاحبتها غائبة عن الوجود ، لا تحس بما حولها ....ولا تسمع ذلك الصخب الناتج عن الازدحام ، تحدق في اللاشئ ، وتعزف وكأنها الة ...او كأنما هناك وحي يلهمها ...ويحرك عصا القثيارة في يدها فيصدر عنها ذلك النغم الشجي الحزين .
لفني الأسى ، وتغلغل السحر في أعماقي وأنا أرنو إليها....وأحسستني افقد إحساسي بالمكان والزمان اثناء إصغائي بكل ذرة من كياني لذلك العزف
شعرت باني احلق في أجواء ليست غريبة عني...أجواء أعرفها لكني لا اذكر كيف وأين
ومتى ؟
لم اصحُ من غفلتي الا حين اصطدم بي احد المارة...تلفت حولي كما يتلفت المستفيق من نوم وارتحت حين لم أجد من يعيرني انتباها ...
توقف العزف بغتة.....رأيتها تنظر إلي نظرة من يحاول أن يتذكر أين رآني من قبل .....ثم سرعان ما تبدلت النظرة لتغدو بلا ملامح ...وأخذت تتلفت أسفل قدميها باحثة عن شيء ..أشرت بإصبعي نحو حقيبة القيثارة القابعة في زاوية باب الدكان المغلق...فمشت إليها...أخذتها ومضت دون التفات.

في اليوم التالي تكرر الأمس....وتكرر حتى كان يوم...

وقفت أمامها وقفتي المعهودة... فهالني ما يلوح على وجهها من شحوب , وعلامات تعب وضعف ..
لأول مرة أراها تتكئ بكل جسدها على الحائط...والقيثارة تصرخ جامعة أحزان العالم في نغمة لم أكن أتوقعُ أن أسمعها على الأرض.

حرت ماذا أفعل؟...أأقف هكذا مكتوف اليدين ؟ أم أسألها إن كانت تريدُ المساعدة ؟ أم أمضي هارباً لا ألوي على شيء...منعتني هيبة الموقف عن الحركة..وتجليات العزف عن الكلام.. فوقفت كصنم...
توقف العزف في موعده.. ركضت دون تفكير أجلب الحقيبة من زاوية الدكان...وتناولت القيثار من يدها فلم تمانع...وضعتها في المكان المخصص ثم مددتها إليها فلم تحرك ساكناً...والتقت عيوننا...كان في عينيها رجاء يتوارى خلف ستارٍ ما جعلني أفتح عيني علامة الحيرة والتساؤل...ولعنت في داخلي ألف مرة عجزي عن تكلم الفرنسية...

تحركت شفتاها بكلمتين أو ثلاثة فازدادت علامات حيرتي وضوحاً...

سألتها بلا أمل :
ـ أتتكلمين الانجلزية ..؟
ـ آه.. نعم.. أريد أن أشرب شيئا
ـ هيا معي..المطاعم كثيرة هنا ..اشربي وكلي ما تريدين...
رمقتني بنظرة جامدة...قلت :
ـ أأساعدك على الوصول إلى هناك ..؟
ـ نعم...شكراً لك
حقيبة القثيار مازالت في يدي اليمنى .. مددتُ إليها يسراي فتعلقت بها بكلتي
يديها و...مشينا

رغم هول الموقف ..ورغم غرابة الحدث...لم يستطع ذلك العربي القابع فيَّ أن يمنع نفسه عن الخجل ... مشيت ونظري إلى أمام...وعلت وجهي الحمرة ...وازدادت دقات قلبي ازدياداً عنيفاً حتى لقد خلتُ أنها تسمعها ... أما هي...فقد بدا وكأن الموقف مألوفٌ بالنسبة إليها...إذ راحت تسيرُ وكأنها مع إنسان ٍعرفته العمر كله.

جلسنا في المطعم متقابلين .. أزاحت ما على الطاولة من أشياء ودفنت وجهها بين ذراعيها وراحت – أوخيل إلي – في سبات عميق ... أما أنا فواصلتُ التلفت حولي خشية أنْ يكون منظرنا على تلك الصورة قد أثار فضول الآخرين وربما سخريتهم ...
شعرتُ ببعضِ الهدوء حين لم أجد أحداً يهتم .
حضر النادل وكلمني بالفرنسية ..لم أستطع أن أستجمع شتات الكلمات الفرنسية المتناثرة في ذاكرتي .. فعاودني الاحمرار وانتابني الحرج من جديد ... مددت يدي برفق حتى لامَسَتْ أطراف أناملي شعرها الذهبي...فرفعت رأسها ونظرت إلي ثم إلى النادل وطلبت شيئاً... ثم سألتني :
ـ ماذا ستشرب..؟
ـ كولا من فضلك
قلتُ للنادل بالفرنسية...

التقت عيوننا من جديد.. وطالت نظرتها إلي لحدٍ أربكني فخفضت بصري...ورحت أعيد ترتيب الأشياء المبعثرة فوق المائدة..شعرت بتوتر نتج عن إحساسي بالهزيمة أمام نظرات امرأة.

جاءت المشروبات ... زجاجة الكولا...وإلى جانبها قدح كبير من الجعة أصابني ألانقباض لمرآه...ولاح على وجهي الغضب والقرف..

ابتسَمَتْ تلك الإبتسامة الذابلة الساخرة وقالت :
ـ أنت شرقي .. ألست كذلك ...؟
بلى-
ـ ألا تشرب الخمرة ..؟
ـ لا
ـ ولمَ..؟
ـ أسبابٌ كثيرة تمنعني عنها
ـ أعذرني اذاً.....انا لأطيق عنها صبراً
لم أجب...وتابعتُ تحديقي بصفحة المائدة...
قالت فجأة بنبرة غريبة:
ـ أنا أكرهكم أيها الشرقيون
باغتني الكلمات إذ لم أجد لها مبرراً...قطبتُ جبيني برهة ثم وجدتني أضحك...فتابعت بنبرة تحد :
ـ أكره الشرق بكل ما فيه ومن فيه ...أكرهكم ... أكره كل شيء... كل شيء...

إنه هجوم إذاً ...يبدو كذلك... لكنه من ذلك النوع الذي لا يشعرك بأية رغبة ٍ في الدفاع
لم تفارق الابتسامة شفتي طول الوقت .. كنت أنظر إليها وأفكر .. لم يخطر لي على بال أنها تتكلم بدافع العنصرية .فالموقف برمته لا يدل بحال على انها من هؤلاء الذين يكرهون الأجنبي لمجرد انه أجنبي .....لا بد من وجود سبب آخر يدفعها لتهاجم الإنسان الوحيد الذي أسرع لنجدتها دون ان تتفوه بكلمة ...شعرت انني أمام لغز سهل الحل ...ووجدت نفسي افهم الكلام بعكس معناه تحولت كلمة أكرهكم في داخلي الى ( أحبكم) أو (كنت). ..لا محبة الا بعد عداوة أليس من الممكن أن يكون العكس صحيحاً.... (لا عداوة الا بعد محبة)
لعلها كرهتنا كشرقيين لأنها أحبتنا يوما
كانت تحبنا ..كانت تحب واحداً منا
لم أتردد...سألتُ ببساطة :
ـ تكرهيننا...؟
ـ نعم أكرهكم
ـ كيف وأنتِ بصحبتي الآن..؟
ـ هذا لا يعني شيئاً..لو وجدتُ سواك لخرجت معهُ....أنت في نظري لا تعني أكثر من كأس من الخمر.
قلتُ بخبث من يعلم الحقيقة :ـ
ـ بل أعني أكثر من ذلك ...أنا أذكرك بهِ ...أليس كذلك ؟؟
أصبتُ الرمية.. لمستُ موضع الجرح وضغطت عليه.. تغير وجهها.. صَحَتْ بعد سكر...وثارت بعد هدوء.. أصبَحت كلبوءة هائجة .. وصرخت بصوت عال جعل جميع رواد المطعم يلتفتون نحونا :
ـ ماذا تعني ..؟ قل .. هيا تكلم .. تذكرني بمن ..؟ انطق .. لا تنظر إلي هكذا أيها الشرقي الحقير ... إنت بشع بشع....
وانفجرَتْ بالبكاء...
آثرت الصمت ... واكتفيتُ بلذةٍ لئيمة .. لذةٍ يشوبها الألم لتلك الدموع الغزيرة الهامية
ولم أعد آبه بكل من هم حولي...
خَفَتَ نشيجها حتى توقف ..أخرجتُ منديلي ومددته إليها فتناولته ومسَحَت وجهها وعينيها :

ـ أنا آسف
قلتها بصوتٍ خفيض حذر ....ولم تجب.

ـ أنا آسف
رفعت صوتي أكثر.
لم تجب...بل رفعت رأسها ونظرت إلي ..
ما أجملها !!!...
ما أجمل وجه الأنثى حين تغسله الدموع ..

...و لم أهرب من نظراتها هذه المرة
سألتني :
ـ من أنت ..؟
ـ أنا ..؟
ـ نعم أنت
ـ أنا واحد من هؤلاء الذين تحتقرينهم
ـ لا تسخر بي
ـ آسف... مجرد انسان عادي يحب الجمال ويفهم الحزن
- ـ وكيف عرفت سري ... ؟
ـ أحببتُ جمالك وفهمت لغة حزنك
- ـ وماذا تريد مني الآن ..؟
ـ أريد أن أسمعك
ـ وكيف عرفت أني أريد أن أتكلم ...؟
ـ عيناكِ
ـ نعم ... صدقت ... أريد أن أحكي قصة عمري و أشجان حياتي ... لا تعتذر عما حدث ... لقد أرحتني كثيراً ... كنت أبكي فتنزل الدمعة في داخلي ناراً تحرقني ... شربتُ الخمرة بعد انقطاع لأُطفئ نار قلبي فزادتها اشتعالاً ... كم هو اليم ذلك البكاء العكسي ... لا تعتذر .... أنت لم تخطئ .... إنك تذكرني به فعلا...
أحقاً تريد أن تسمع ...؟
ـ نعم ...

*

كنتُ في السنة الأخيرة في المدرسة العليا فتاةً مستهترةٍ بكل شئ ..لا تقيم وزنا لأحد ولا تتوانى عن فعل ما تريد ...حينَ تريد .
هكذا نحنُ ...وهذا هو مجتمعنا...
يمنحنا الحرية لنفعل أي شئ ...لا نجدُ من يعارضنا من الأهل...او ما يحدنا من عاداتٍ وتقاليد ودين ...هذا هو الفارق بيننا وبينكم ...الفتاة هنا عندما تسقط ـ وكل النساء هنا يسقطن بمنظور دينكم على الاقل ـ تجدُ الف ذراعً تتلقفها بنهم...وألف نابٍ يمزقها بوحشية...وألف لسانٍ يمضغها بنزوة جوع...بينما لا تجد ذراعاً واحدة تمسكها لتمنعها من السقوط ...
والمراة في مجتمعكم ان وجدت ذراعا تدفعها لتسقط ...وجَدَت ألف ذراعٍ تنتصبُ لتحول ما بينها وبين الهاوية ...المأساة الكبرى انَّ هذا المجتمع ليس في قاموسه مصطلح اسمه الفضيلة...ولا اخر اسمه الرذيلة ...لذا لا تعجب من تلفظي بهما دون سواهما بالعربية...اقسم إنني أدركت معناهما بروحي لا بعقلي...فسقط في نظري هذا المجتمع الذي اسقطني في حمأة الرذيلة أغرفُ من لذائذها وانهل من سيلها المنهمر ما يشبع شهوات الجسد ...

وكنت ُ سعيدة أيما سعادة بهذه الحياة الى ان التقيته...

كان في مثل سنك أو يزيد ... شعره أسود وشارباه كثيفان...
وسيم وسامة الشرق .. وسامة الرجولة .. فأردته بكل قواي ..وأملكه كما ملكت سواه...
زاد من رغبتي فيه أنه كان ينفر مني...ويتحاشى النظر إلي...ولا يطيق الجلوس في مكان أكون فيه . فأعجب لذلك وأحتار...كل الرجال حولي تكفيهم إشارة إصبع ليتبعوني إلى أقاصي الأرض...يرمون بقلوبهم وما يملكون تحت قدمي...

أصبح البحث عن سبب لنفوره مني شغلي الشاغل...فقصرت وقتي على مطاردته من مكان إلى مكان...ويمعن هو هرباً وجفاًء...
إلى أن عرفت من بعضهم أنه في السنة الثالثة في الجامعة وليست له أية علاقات نسائية إلا ضمن حدود الدراسة...ومن خلال صديقيه الوحيدين اللذين عرفت من أحدهما عنوان سكنه...وقررتُ أن أذهب إليه...وليكن ما يكون .

ارتجفت و أنا أصعد سلم المبني الذي يسكن دوره الأخير ...انها المرة الأولى التي أتسلم فيها زمام المبادرة في علاقتي برجل .. طرقت الباب فازداد قلبي خفقاً وأنا اسمع وقع خطواته تقترب...وكدت اسقط عندما سمعت الرتاج يفتح ..
ورأيته واقفاً أمامي بقامته الفارعة..ونظرته المعهودة التي كانت تطل من عينيه في تلك اللحظة تملأها الدهشة ـ
ابتلعت ريقي وقلت بتلعثم :
ـ هل أستطيع الدخول ...؟
لم يجبني ..ترك الباب مفتوحاً وعاد أدراجه فدلفت منه وأغلقته خلفي واتكأت عليه ..كان يجلس على الكنبة الوحيدة المواجهة للباب وينظر إلي ..مضت دقيقتان خلتهما دهرا..
تجرأت :
ـ ألن تدعوني للجلوس ؟
لم يجب ...بل التفت إلى السرير القابع في زاوية الغرفة فمشيت إليه وأنا أخشى على نفسي من السقوط بين الخطوة والأخرى متعثرة ببريق نظراته ...
جلست على السرير ...
السرير...؟؟؟
هي فرصتي إذاً... سأستخدم سلاحيَ الأقوى...وأطلق آخر ما بجعبتي من سهام ..
فككت جديلتي...وأطلقت شعري ليتهدل على كتفي ...خلعت سترتي ورميتها على الأرض ومددتُ نحوهُ يديَّ ادعوه إليَّ وأنا أرنو إليه بدلال...

هالتني ردة فعله ...صرخ بعد ان وثب كمن مسته نار :ـ
ـ ماذا تريدين مني أيتها الــ......

قفزت واقفة ارتجف وأتمتم :ـ
ـ لا شئ ...لا شئ ..............آسفة ....سأخرج..سأخرج...
وحملت سترتي وركضت إلى الباب ...اعترض طريقي ...وقف متكئاً على الباب كما كنت أقف قبل لحظة ...كدت ابكي حزنا على نفسي من تأثير نظرته الغريبة :
ـ إجلسي
قالها بهدوء...

جمدت مكاني لا أحرك ساكنا ..كنت خائفة ..تمنيت لو يفتح الباب فأمرق منه كالسهم هاربة من هذا المتخلف :
ـ إجلسي
أعادها بهدوء أعمق
رجعت أدراجي إلى السرير...
قال بنبرة حازمة :
ـ اجلسي هناك...على الكنبة .
جلستُ حيث طلب وكلي ينتفض ..اقترب مني فخيل إلي انه آت ليضربني ..رفعت يدي بحركة آلية وغطيتُ وجهي
لكنه لم يفعل...
جلس أمامي على الأرض ..وبعد تردد طال اخذ يدي بعد ممانعة وأطبق عليها كفيه بحنان عجبت له وتلذذت به .....تلك لذة لم اعرفها قبلا جعلتني انسى ما حدث...ومن عينيه أطلت نظرة مريحة خدرتني ..نظرة ملؤها الإشفاق والطيبة والحنان الغريب..

نظر إلى الأرض ..بدا وكأنه يقاوم شيئأ :

ـ هل تصدقين اني احبك...؟
قالها بنبرة حزينة وأردف :
ـ وكم هو صعب أن يعشق الإنسان بدون أرادته امرأة لا توافقه دينًا وخلقاً ..نحنُ من قديم الأزل نعشقُ الجمال..ونهيم به...ولا نتصوره إلا مقترنًا بالفضيلة... لا يدوم ولا يُحترم إلا بها ومُذ نزلت بلادكم أدركت أنْ لا جمال هنا إذ لا فضيلة هنا...
وطنت نفسي على أن أتحاشى الوقوع في حبائل الصورة... وعلى أن أتقوقع داخل ذاتي التي ما زالت تدين بدينها...وستبقى...وتتخلق بأخلاقها...وستبقى ..
وحين رايتك وشعرتُ بميل قلبي إليك رغم إرادتي ...تمنيتُ لو تختفين عن ناظري إلى غير رجعة ..تمنيت لو تنشق الأرض فتبتلعك أو تبتلعني ..
حاربتك بتصنع إهمالي لوجودك...وعدم الإهتمام بك والنظر إليكِ لأمنع نفسي من الإفراط في الميل إليك وكدت انجح فلا تعرفي سري ابداً لولا قدومك هذه الليلة... .
كان الحزن لا يزال يلُف كلماته التي لامست شغاف قلبي...وحركت بداخلي إحساسًا بالحياء ما عرفته أبداً جعلني أطأطئ رأسي أمام عينيه...
عاد إلى الصراخ فجأة بعد ان ترك يدي بعنف وهب واقفاً:ـ
ـ أنت فتاة مستهترة لا أمان لك ..لعنة الله عليكِ وعلى هذه البلاد..

و...لم يخفني صراخه هذه المرة
بل وجدت الكلمات تتدافع من بين شفتي بدون إرادة أو تفكير :

ـ سأكون كما تريد ....سأكون لك وحدك ....لن افعل ما يغضبك.. سأكون لك ...ساتخلى عن كل شئ ...أرجوك ساعدني ...بين لي طريقك لأسير فيه .....لن تندم أبدا لأنك ساعدتني ..افعل ما تشاء فقد وهبتك نفسي وحياتي ومستقبلي وربطت مصيري بك
كنت أتكلم وابكي ...نظر إليَّ نظرته المشفقة...وامسك بيدي وأجلسني على الكنبة وعاد الى الجلوس أمامي . وقال بتشكك :
ـ أتعنينَ ما تقولين ..؟
ـ نعم اقسم لك
ـ ستسكنين معي هنا ..
ـ نعم سأحضر كتبي وثيابي
ـ وسوفَ تعاهدينني على أن تكوني كما أريد
ـ سأفعل
ـ سوف تضعفين...
ـ لن اضعف

ـ قد تجوعين و تتعبين
. ـ لن يهمني شيء ما دمت معك

ـ اخترتِ طريقاً صعباً لو تدرين...سأمضي معك فيه وأحاول أن أثبت لنفسي أنني قادر على أن أصنع منك الانسانة أريد .. سأبذل دمي لأوقظ الانسانة الساكنة فيك وأمسح عنك درن هذا المجتمع الفاسد .. إيماني بالنجاح كبير ولكن...شكي بالفشل كبير أيضاً .. إنَّ مجرد محاولة تغييرك نجاح حتى وإن كانت النهاية نقيض ما أريد .. قد أنقذك من غرقك الأبدي أو أتركك تغرقين وحدك فلن اغرق معك أبداً .. اذهبي الآن ولملمي أشياءك المتناثرة في البيوت والطرقات وقولي للجميع أنك راحلة في أعماقي بلا عودة .
.
ومضيت ألملم أشلاء نفسي قبل أشيائي ...عرفت معنى التحدي وتذوقت طعم التصميم ...لم أشعر بالخوف رغم أنها خطوة جديدة نحو حياة جديدة مجهولة المعالم...ليس بينها وبين حياتي المألوفة أي وجه للشبه ... لم أشعر بالخوف لأن شيئاً ما في قلبي بدأ يتحرك ويدفعني لأمضي في هذا الطريق لأجل ذاتي أنا .. وحياتي أنا ... وحبي أنا...

وعدت في المساء...دخلت دون أن أقرع الباب فقد أصبح البيت بيتي .. لم يكن موجوداً ... وشيءٌ في الحجرة قد تغير ... إنه ذلك الستار الأبيض الذي يقسم الحجرة إلى قسمين ... السرير والكنبة ودولاب الملابس في الجانب الأيسر ..والمكتبة الصغيرة وطاولة الدرس
وفراش أرضي في ركن الغرفة في الجانب الأيمن .. وورقة معلقة في طرف الستار مكتوب عليها كلمة واحدة "اختاري "
وضحكت من أعماقي...
.
عاد متأخراً ..كنت أجلس على الكنبة وقد تركت كل شيء على ما كان عليه عند دخولي .. ابتسمت له فرد الابتسامة وغاب عن ناظري وراء الستار...وكأنه ظن أنني قد اخترت الجانب الأيسرمع أنني لم أكن قد فكرت في ذلك .. ناداني ..
رفعتُ الستار وتجاوزته...كان مستلقياً فاعتدل... وأشار إلى كرسي المكتب فجلست عليه :
ـ سنسكن معاً إذاً...؟
هززتُ براسي موافقة...
تابعَ :
ـ إذاً لننظم حياتنا على هذا الأساس ... هل تريدين ان تكوني سيدة البيت ام تفضلين ان أقاسمك السيادة فيه ..؟
ـ لا باس ستفهمين لاحقا ما أعني .. ما دمت قد اخترت طريقي فسترضين بما أرضاه ولك الحق كل الحق ان تناقشيني وتحاسبيني على كل صغيرة وكبيرة ..اتفقنا ..؟
ـ اتفقنا
ـ حسنٌ..... ليكن البيت من اختصاصك ولتكوني سيدته وسيدتي ..وما أحصله من دخل سيكفينا ..ستدرسين إذ لا بد من نجاحك هذه السنة لنقضي السنة القادمة معاً في الجامعة ..نجاحك بتفوق سيكون الدليل القاطع على اننا كنا صادقين فيما تعاهدنا عليه ..بيتنا صغير ..هذه الحجرة والمطبخ فلن تضطري لبذل جهد زائد في تهيئته وإعداد الطعام لوجبة المساء
ـ أنا لا اعرف الطبخ...!!
ـ ستتعلمين و.....سأحتمل
ـ موافقة على كل شئ
ـ إذاً لنبدأ من الغد ..لقد تأخر الوقت ألان...تصبحين على خير
تلكأت قليلا ...نظر الى نظرة عتاب وقال بحزم :
ـ اذهبي إلى سريرك ونامي
ومضت شهور تخلق جديد....
بدأت انضج فكراً وقلباً وروحاً ..بدأت أسمو بنفسي لأجاريه في التحليق بأفق خياله النظيف الناصع كذلك الستار الأبيض الذي لم يكن يطيق أن يراه متسخاً...
كان يقول :
ـ هذا الستار يمثل علاقتنا لذا أحبه نظيفا دائماً ..

علمني الكثير ورسخ في أعماقي كل قيم الشرق ومبادئه وعاداته ..علمني ان المرأة كائن رقيق تميزه النعومة في كل ما يصدر عنه ...الصوت والحركة والملبس ..ذلك ما يتوج جمال المظهر بل ويخلقه ان لم يكن موجودا....
أقلعت عن التدخين في الشوارع والأماكن العامة وأمامه أيضا مع انه لم يكن ليعارض.

وتركتُ الشرب نهائياً ...

علمني أن لي جسداً يجب ان يصان...وعورات يجب ان تُستر ..فصرت اخجل من الظهور بملابس البحر او الأثواب القصيرة...حتى لقد أصبح وجهي يحمر إن رفعت نسمة هواء طرف ثوبي ..
علمني ان اشعر بلذة المسؤولية ...فأدركت معنى أن أكون سيدة البيت ..أصبحت أعنى به عناية فائقة وأرتبه حسب ما يستطيبه ذوقي ...ورحت أقنن المصاريف وادرس بجد غريب...

وحين نجحتُ بتفوق دمعت عيناه...وضمني إلى صدره لأول مرة ... وأحضر الشموع وأعد المائدة واحتفلنا معا لا ثالث لنا ... أحسست كأن الدنيا كلها تحتفل معنا ... كان ذلك أحلى احتفال في حياتي ... جلست أمام عينية اللتين كانتا تنظران إليَّ بحب كبير...وإعجاب أكبر ساعاتٍ لا أنساها ما حييت.... إنها عمري ... كل عمري.

وفي الجامعة اخترت تخصصه لأظل قريبة منه ليلي ونهاري...فكنا نذهب إلى الكلية معاً...ونعود معاً في المساء فنفترق على زاوية الشارع ... يذهب إلى عمله وأذهب الى عشنا الصغير أعده وأنتظر حبيبي...

ومضت سنتي الجامعة الأولى التي كانت نهايتها شبحا مرعبا يطل ععليَّ ويملأ وجه الأفق..
نهايتها تعني تخرجه... وتخرجه يعني سفره و..فراقنا ....
هو لم يعرض علي الزواج...وفي الوقت نفسه علمني أن أكون امرأة بحق تخجل أن تكون البادئة... .
انتهت السنة وتخرج وتحدد موعد سفره بعد أسبوع...ليمضي الأسبوع كغمضة عين فأجدُ نفسي في الليلة الأخيرة جالسة أمامه في حجرتنا وشمعة باهتة يصدر عنها نور حزين هي كل ما ينير المكان من حولنا... .
ما عهدت نفسي قوية وقادرة عل المقاومة إلى هذا الحد...
لم أبكِ... بل رحت أنهل من عينيه زادي وقلبي يذوب كما تذوب الشمعة... ابتسم ابتسامة واسعة دهشت لها رغم ما يعتريني من ألم...زحَفت يده إلى يدي وامسكتها بقوة...وانفرجت
شفتاه عن كلمات كانت ـ في تلك الحظة ـ كل ما أطلبه من الدنيا :ـ
...؟ ـ هل تقبلين الزواج مني
حينها تعلمت شيئاً جديداً ...تعلمت أن الدموع أعظم دليل على السرور ...
بكيت ُ كما لم ابكِ في حياتي...وتركني ابكي اذ أن دموعهُ هو أيضا كانت تهمي بغزارة لأول مرةٍ منذ عرفته ...
نطقت من بين الدموع :
ـ تأخرتَ كثيراً ...لماذا وأنت تعلم أنني ملك يديك ..؟
ـ لا ادري ...وعلى كل حال أنا سعيدٌ لأنني لم اقلها قبلاً...
هل ستقبلين العيش معي في بلدي ...؟

ـ الحياة حيث تكون...

ـ غداً سأسافر ولن أغيب أكثر من أيام أعود بعدها برفقة أمي ...نعقد قراننا ونسافر معا إلى وطنك الجديد...
ـ أنت وطني ....سأنتظرك لحظة بلحظة..

وبقينا ساهرين إلى الصباح ..رافقته إلى المطار وودعته بقبلتين على خديه أودعتهما كل ما بقلبي من حب وحزن وودعت معهما حياتي وعمري...
.
.
عشرة شهور مضتْ وحبيبي لم يعد بعد ...ما زلت انتظره...ما زلت ملكه ...لقد كذب علي ...لا انه لم يكذب ...أظنه قد مات ...قلبي يحدثني بأنه مات ..ما من سببٍ آخر غير الموتِ يجعل مثله لا يفي بما وعد ...
وبكت ساعة بصوت خافت...وعندما رفعت رأسها كان وجهها قد استنار بنور غريب...مسحَت دموعها وحملت قيثارتها وقامت :
ـ وداعاً
تتبعتها بنظراتي وشفتاي تتمتمان :
ـ بل إلى اللقاء ...إلى اللقاء

وحينَ عدت في اليوم التالي ولم أجدها في مكانها المعهود... لا أدري لماذا حدثني قلبي ساعتئذٍ أنها لم تعد من سكان الأرض .

ـ انتهت ـ
ع.ص.ن 1991