المعيشة الضنكى

 

لم تخلُ رسالة من رسائلِ أبي الكثيرة والطويلة إليَّ في بداية غربتي من الآية الكريمة :

(وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى )

بين رسالة وأختها كانت الكلمات تتغير أو لا تتغير...والأحاديث النبوية الشريفة تتكرر أو لا تتكرر...والآيات القرآنية الكريمة ذاتُهــا تغيب أحياناً وتظهرُ أخرى...وتطول الرسائل أوتقصــُــر...ويتوالى قدومها أو تنقطع في فترات ما...إلا هذه الآية :

(وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى )

فقد كانت دائماً هناك...في مطلع الرسالة ربما...أو ربما في وسطها...أو آخرها...

<><><>

وتمضي السنون...

...هبطت الطائرة في مطار عمان...كان الوقتُ متأخراً جداً...فقررتُ وصديقي الذي يرافقني أن نستأجر سيارة ونذهب للمبيتِ عند أحد معارفنا...ثم نكمل الطريق إلى (اربد) في الصباح....كي لا نصل بيوتنا والأهلُ نيام...
لم نجد صاحبنا ذاك فاضطررنا لمواصلة طريقنا الى اربد...
استقبلتنا إربد بـ أذان الصبح...فاقترحت على صاحبي أن ننتظر حتى يدخل والدي المسجد ليؤم بالناس...ونصلي خلفه...ثم نسلم عليه بعد الصلاة فيكون سروره بقدومنا مضاعفا...
وافقني صديقي...فنزلنا وتوضأنا ثم عدنا وجلسنا في (السيارة) حتى سمعنا الوالد وهو يـُكــَـبـِّـر تكبيرة البدء...فنزلنا مسرعينِ...وانتظمنا في الصف الأخير مع المصلين.
وقرأ الوالد الإمام سورة الفاتحة...ثم تلى :

(.......ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى
قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى
وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى )

لم أتمالك نفسي...بكيت....ويا لِعـِــظــَــمِ الذي أبكـــاني لو تدرون...

وحين انتهت الصلاة...تقدمتُ منه...وقبلت يده الطاهرة...وقلت :
ـ سبحان من ألهمك وأجرى على لسانك رسالتك المعهودة لي دونما علمٍ منك بأنني خلفك.

...لم يزل الوالد يعيد ذكر هذه الحادثة على مسمعي كلما التقينا و...سيبقى.

ـ انتهت ـ
ع.ص.ن1995