حفلة

 

كنت في الثانية عشرة من عمري عندما تفشى في الحارة خبرٌ مفادهُ : أن مطربة أسمها (سعاد توفيق) - ستحضر الى مدينة (أربد) لإحياء حفل غنائي كبير على مسرح مدرسة الصناعة...وثمن التذكرة خمسون قرشا.
كان مصروفي اليومي في ذلك الحين خمسة قروش...
هذا يعني إستحالة حضور الحفل بالطريقة الشرعية : دخول المسارح من أبوابها .
لكنني وأولاد الحارة كنا أول من وصل ...في الموعد المحدد ...في المكان المحدد...دونما تفكير بالدافع وراء ذهابنا...لم نكن من عشاق الموسيقى في ذلك الحين...كما لم نكن قد سمعنا عن تلك المطربة من قبل...

كان لدينا أمل أن ندخل قاعة المسرح في غفلة من مراقبي الباب ... أو أن يمرَّ بنا من يعرفنا من الكبار فَيُدخِلنا بمعيته .

محاولات عديدة باءت جميعها بالفشل...فلم نجد أمامنا في خاتمة المطاف إلا الإستسلام ...والتعلق بإحدى نوافذ الصالة المحصنة بقضبان الحديد كغيرنا من (زعران) الحارات الأخرى...ونتابع الحفل من هناك.

كان إلى جانبي صبي يصغرني عمراً وحجماً، رأيته يُدْخِـلُ رأسه من بين قضيبين من قضبان النافذة...ثم كتفيه وباقي جسمه...فيتلقاه الواقفون الى جوار النافذة من الداخل ويسحبونه برفق...فيهبط أرض القاعة بسلام،.
تبعهُ صبيٌ ثان، فثالث، فرابعٌ كان أحد رفاقي...
قلت في نفسي: ولم لا أحاول!!
أدخلت رأسي...فدخل بسهولة - لم أكن كبير رأس كما الآن - تلاه كتفاي والقسم الأعلى من جسمي...
تهيأ من بالداخل لسحبي... ولكني عَلِقت عند منطقة الحوض، شعرت بالألم فصرخت...
أخذ رفاقي بسحبي إلى الخلف في حين ظل أهل الداخل يحاولون سحبي إليهم، فتفاقم الألم وارتفع صراخي حتى كاد يغطي على صوت المطربة وفرقتها الموسيقية...الأمــر الذي جعل الكثيرين من متابعي الحفل ينسون حفلهم ويتابعون حفلي غارقين بالضحك.

انتهى المشهد أخيرا بتفوق من في الداخل على من في الخارج بعد أن كادت روحي تطلع.
وما أنْ هبطتُ بـ سلام...حتى هاج الجمهور بالتصفيق والصفير...

لم يكن ذلك لأجلي...أو فرحاً بوصولي سالماً....بل كان للمطربة التي أنهت حفلتها لحظة ملامسة قدميَّ أرض القاعة.

ـ انتهت ـ
ع.ص.ن2003