ارماندو عوضونا

 

في القرى النائية ذات التعداد المتدني من السكان في بلدنا مدارس صغيرة جداً...لا يكادُ عدد الصفوف فيها يتعدى عدد أصابع اليد الواحدة ...
بل ان من تلك المدارس ما يتكوَّن من غرفةِ صفٍ واحدةٍ...فقط.

المدرسة التي عـُـيـِّـنتُ فيها كمدرس في بدايةِ عملي التعليمي كانت مكونة من اربع غرفٍ صفـَّيـَّة...
في كلِ صفٍ منها ثلاثة أعمارٍ مختلفةٍ من الطلاب....
تلك هي الصفوف التي يطلقون عليها إسم: (الصفوف المـُـجـَـمـَّـعـَـة).

ومن بين الصفوف التي وُكـِّـلتُ بتدريسها مادة اللغة العربية صفٌ كان يحتوي على :

الصف السابع (الأول إعدادي) / اربعة طلاب
الصف السادس اإبتدائي / ستة طلاب
الصف الخامس الإبتدائي / طالب واحد فقط...
اسمه (عوض)

لم يكن من الصعب أن أستنتج بعد الحصة الأولى أن (عوض) كانَ قد وصلَ إلى الصف الخامس بالنجاح التلقائي...
فهو لا يعرفُ شيئاً عن أي شيء...
لا يقرأ...
لا يكتب...
ولا يشارك إلا في النظرِ إليَّ طوال حصة الدرس وابتسامة حبٍ وإعجابٍ بمعلمه على شفتيه...
.
كلُ مواهب (عوض) وقدراته وامكانياته...وابداعه المنقطع النظير...كانت تظهر في حصة الرياضة...
وفي لعبة كرة القدم...بالذات...
لا أجدني أبالغُ إن قلت أنَّ فريقاً عالمياً من أحد عشر لاعباً يقودهم (دييجو أرماندو مارادونا) لم يكن ليستطيع أن يهزمَ فريقاً شعبياً من الهواة يقوده :
(أرماندو عوضونا).

إلى هذا الحد..وأكثر...
.
المشكلة التي واجهتني مع طالبي الأسطورة ذاك هي :

أنهُ كان لزاماً عليَّ أن أخصص لهُ من الدرس...ثلثه...15 دقيقة هي حقُ (عوض) من الدرس لكونه يمثلُ صفاً كاملاً
ولكن.... كان من العبث وتضييع الوقت...أن أفعل...
لا بُد من فعل شيء كي لا أجرح خاطر (عوض)...ولكي أشعره بوجوده...وإن لم يكن يبدو عليهِ بأنهُ يهتم لذلك أو يلقي لهُ بالا...
ثمَّ أن رسوب (عوض) سيعني ببساطة :
أن نسبة الرسوب في الصف الخامس في مدرستنا بلغت مائة في المائة...
وهذا ما لن تتقبله مديرية التربية...ابدا.
.
في كتاب القراءة للصف الخامس الإبتدائي في تلك السنة...كان هناك درسٌ عنوانهُ (الخــميــرة)
وأول جملةٍ فيه كانت :

(المصريون هم أول من اكتشف الخــميرة)

ومن هنا بدأت مع (عوض)...وهنا انتهيت...

كلما دخلتُ غرفة ذلك الصف أبدأ بـ (عوض) سائلاً :
ـ يا عوض...من أول من اكتشف (الخميرة)...؟

فيردُ عليَّ فــرِحــاً :
ـ المصريون يا استاذ

وأحياناً أقلب السؤال :
ـ يا عوض...ماذا اكتشف المصريون...؟

فيجيبني بنفس الفرح :
ـ (الخميرة) يا استاذ..

في الإمتحان الأول...كان السؤال الوحيد في ورقة عوض :

(من هم أول من اكتشف الخميرة)..؟
وكان عليَّ بالطبع أن أقرأ السؤال لـ (عوض)...فهو لا يقرأ...

وأجاب عوض بهيروغليفيةٍ لم أكن لأفهمها لولا أنني أعرفُ مسبقاً المقصود منها :
(الــخــميرة)

فحصل على العلامة الكاملة...ونجح في ذلك الإمتحان...بتفوق.
.
لم يشأ المولى لي أن أستمر في التدريس هناك أكثر من اسبوعين...
غادرتُ بعدهما المدرسة فانقطعت أخبار (عوض) عني...لكن ذكراهُ ظلت وقد مضى على ذلك العهد
أكثر من عشرين عاما.

تـُـرى :
لو سألوا (عوض) اليوم :
من اكتشف الخميرة...؟
هـــل سيتذكرني..؟؟؟

ـ انتهت ـ
ع.ص.ن1988