عمر وسعيد

ـــــــــــــــــــــــــــ

روى أحد معارفي قال :ـ

كنتُ أثناء دراستي الجامعية أسكنُ مع مجموعة من الطلبة في حيٍّ متواضعٍ قريبٍ من الجامعة...واعتدنا الجلوس أثناء أوقاتِ الفراغِ في مقهى الحي...حيثُ تعرفنا مع المدة على رواده...وربطتنا بهم روابط الألفة .

كان من بين الذين تعرفنا إليهم رجلان صديقان متلازمان...يندرُ أن ترى أحدهما دون الآخر...أحدهما يُدعى (سعيد) والثاني (عمر)...تميزا بالبساطة والطيبة وخفة الدم ....وحب كل منهما لصاحبه وعدم قدرته على ىالإستغناء عنه .
.
افتقدنا (سعيد) ذات يوم...
رأينا (عمر) قد بدأ يتردد على المقهى وحيداً...وحين سألناه علمنا منهُ أن صديقه قد سافر للعمل في مدينة أخرى .

تغيرت حياة (عمر) خلال الشهور التي تلت رحيل (سعيد)...فبدأ تواجدهُ في المقهى يقل...وظهوره في الشوارع يندر...لينتهي بهِ الأمر إلى التزام المسجد...فلم نعد نراه إلا فيه أو مصادفةً في الطريق .
أطلق لحيته...وبدل زيهُ للزي الإسلامي...وصار يؤم بالناسِ إن تغيب الإمام .

وحينَ وصل إمام المسجد إلى سن التقاعد وأحيل على المعاش...رشح الناس(عمر) ليحل محلهُ وزكوه عند مديرية الأوقاف...فوفقَ عليهِ...ليصبح إماماً رسمياً...وخطيب جمعة...وواعظاً يعظَ المصلين...ويعلمهم أمور دينهم ..

و...مرت على تلك الحال شهورٌ أخرى...
عاد (سعيد) إلى المدينة...والحي والمقهى...وعلم فور عودته أن رفيقهُ القديم قد أصبح إمام مسجد وخطيب...فأدرك على الفور أن طريقهما لم تعد ذات الطريق بل تفرعت ليمضي كلٌ منهما في إتجاه.
فهو من هؤلاء الذين لا يدخلون المسجد إلا في أيام الجُمَع...وحتى هذه تركها لأنهُ لم يستطع أن يتقبل أو يستوعب فكرة أن صديقه ورفيقه في المقاهي والأسواق والأعراس هو من سيخطب فيه جمعته .
لمسنا ذلك من حديثه معنا كلما ذُكِرَت سيرة (عمر)...بل كنا نلمحُ في طياتِ عباراتهِ ما يوحي بعظيم غضبه ...وشكهِ...وعدم اقتناعهِ بأن صديقه قد فعل ما فعل التزاماً وتوبة...بل نفاقاً ولغاية في نفسهِ ستُظهرها الأيام...كان عاتباً جداً...يحكي ما حدثَ بلوعة وحزن...ويفسر الأمرَ بسطحيةٍ عجيبةٍ توحي بمدى بساطته حصوصاً عندما كان يشيرُ من طرف خفي إلى تلك الخيانة الكبرى التي ارتكبها صديقه بحقهِ حينَ تخلى عنهُ وتركهُ وحيدا .
.
وشاء اللهُ أن يُنهي عذاب (سعيد)...وذلك حين انتقل (عمر) إلى مسجدٍ أكبر في مدينةٍ أخرى...وحلَّ مكانهُ إمامٌ آخر...

إكتظَ المسجدُ بالمصلين في أول يوم جمعة على غير المعتاد في أيام الجُمعِ الأخرى...
وكنتُ أنا وأصدقائي و...(سعيد) من بين المصلين في ذلك اليوم...وكأن القطيعة بينه وبين المسجد زالت بزوال السبب .

كان الإمامُ مفوهاً...قوي الشخصية...ظاهر العلم....بدا ذلك من خلال خطبتهِ التي كان موضوعها سيدنا (عمر بن الخطاب) رضي اللهُ عنه...عبقريته وعدله وتواضعه...مسهباً في شرح صفاته ورواية قصص تدلُ على عظمته ....
ثم صلى بنا إماماً...فكان ذا صوتٍ رخيم حنون خشعَ لوقعهِ المصلون .

بعدَ أن إنتهت الصلاة ذهبنا للسلامِ عليهِ والترحيب بهِ في مدينتنا...وجاء (سعيد) ووجهه ينطق وفرحاً وسرورا...وصافح الإمام بقوة وقال :
ـ أنا سعيد...وسعيدٌ بك جداً...أحسنت جازاكَ اللهُ خيراً...صدقني يا شيخ أنك أحسن من (عمر)
{يقصد : عمر...صديقه}

أما الإمامُ فظن أنهُ يقصد سيدنا (عمر بن الخطاب) موضوع الخطبة فاحمرَّ وجهه خجلاً وارتباكاً وغضباً...وقال :
ـ معاذ اللهِ أن أكون أحسن منهُ وحاشاهُ أن يُقارَن بمثلي .

ردَّ سعيد بسرعة مقاطعاً ومؤكداً :
ـ والله العظيم يا شيخ إنك أحسن من عمر...

ازداد الإمامُ ارتباكاً وغضبا فقال بحدة :
ـ ألا تخاف الله يا هذا...أأكون أحسن من (عمر) وهو من يكفيهِ أنهُ أحد العشرة المبشرين بالجنة...؟؟؟

هُنا بُهتَ (سعيد)...واربدَّ وجهه...وثارت ثائرتهُ...وتركَ يد الإمام بقوة وصاح :
ـ عـــــــمــــر...؟؟؟ عُمر من المبشرين في الجنة يا كذاب...!!!؟؟؟ تباً لك ولـ عمر ولكلِ من سيصلي وراءك بعد اليوم...
ودار على عقبيهِ وغادر المسجد...
.
حين استوعبنا ماحدثَ أنا وأصدقائي وبعضُ من يعرفون (عمر) و(سعيد) أغرقنا في الضحك...ثم شرحنا للإمام الموقف...فضحك بدوره وقال :ـ
ـ غفر اللهُ لنا ولهُ و...للعمرين .

ـ إنتهت ـ
م.ص1998