الحبيبتين

ــــــــــــــــــــــ

حين قرأت قوله صلى الله عليه وسلم :
(من ابتلي بحبيبتيه { يقصد العينين } فصبر ، كتبت له الجنة ) أو كما قال صلوات الله عليه...فرحت أيما فرح لوالدي الضرير - عليه رحمة الله - بهذه البشرى الصريحة بالجنة...إذ كان بصره قد كف ولما يبلغ الثالثة من عمره بعد...ليقضي العمر الذي امتد أربعا وثمانين سنة كفيفا لا يرى من الدنيا شيئا...وإن كنت أجزم أنه ببصيرته قد رأى كل شيء .
قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى بسنوات قليلة...أصيب بصداع وآلام في الرأس والمحاجر...وحين عرضه إخوتي على الطبيب تبين أن سبب ذلك الصداع وتلك الآلام آت من القرنيتين الكفيفتين الهرمتين، ولا علاج ألا باستئصالهما من جذورها...الأمر الذي قوبل من والدي بالرفض المطلق لشيء في نفسه لم يدر أحد ما هو....وأن كنت أظن السبب لا يعدو أن يكون سوى رغبته بالاحتفاظ بما تبقى له منهما رغم أنهما بلا فائدة على الإطلاق .
اضطر إخوتي لاتخاذ القرار بإجراء عملية الاستئصال دون إعلامه وموافقته...فاخذوه إلى المشفى بحجة إجراء بعض التحاليل حيث تم تخديره وإجراء العملية التي كللت بالنجاح طبيا إذ كانت السبب في زوال الآلام الجسدية...لكنها فشلت على الصعيد النفسي لكونها تسببت له بآلام نفسية كبيرة عبر عنها غضبه الشديد على إخوتي لفعلهم ما لا يريد و...بدون اذنه حتى .
لم أكن موجودا في الأردن عندما حدث كل هذا...عدت وقد مضى على العملية بضعة ايام...وكان الشيخ في صحة جيدة إلا أن الغضب والحزن كانا يلوحان على قسمات وجهه بجلاء...وحدثني اخوتي بالامر فجلست عند قدميه وقلت :
- مالو سيدي زعلان...؟
كانت إجابته مقتضبة ثائرة...فالححت بالسؤال...فانثال يتحدث عن خداع إخوتي له...وعن عدم رضاه عما حدث...
قلت :
- شو رأيك يا سيدي تسمعني..؟
قال بغضب :
- احكي...
قلت :
- الست انت من علمنا أن المبتلى بحبيبتيه جزاؤه جنة عرضها السماوات والارض إذا صبر. ..؟
قال :
- بلى...
قلت :
- الناس في العادة يخسرون عيونهم مرة فيحظى الصابر منهم بجنة...أما أنت فلك جنتان ان شاء الله...لانك خسرتهما مرتين..
ضحك الشيخ من قلبه...ولم اره غاضبا لنفس السبب بعد ذلك .

***