فيلم امريكي

ـــــــــــــــــــــــــــ

حدث فعلاً...وأنا بطله...
أنا وحدي إذا اسثنينا (البوليس)...أو اعتبرناهم (كومبارس) متمم للمشهد .
.
من (هيوستن تكساس) إلى (دالاس) على حدود المكسيك قطعتُ بسيارتي الهرمة من طراز (وقِّف لقلك) مسافة 360 كيلومتر لزيارة إحدى الشركات العاملة في مجال الألبسة .
لم أقضِ أكثر من ساعتين مع المدير , أراني ما أردت أن أرى...واتفقنا مبدئياً على شراء كمية قليلة للتجربة في القريب العاجل .
أردتُ أن أسلك للعودة نفس الطريق الذي سلكته أثناء قدومي لولا أن حارس الشركة نصحني بأن أسلك طريقاً فرعياً اقصر بقليل من الآخر...ففعلت...
كان طريقاً معبداً إلا أنه متعرجٌ وصغير جداً لا يكاد يسمح بمرور عربتين في الوقت نفسه...ممتدٌ عبرَ مساحاتٍ خلابة من الطبيعة إلا أنها مقفرة موحشة لم أرَ فيها من بني آدم وبناتهِ أحدا... ولذلك فوجئتُ حين تهيأتُ للإلتفاف إلى اليمين عند نهايته كي اتابع مسيري على الطريق الخاصٍ بالسيارات الذي يوصلُ إلى الطريق السريع (الأوتوستراد) ....عندما خرجا من مكمنهما تحت إحدى الشجرات على يمين الشارع...
شرطية و شرطي....
أشارت لي الشرطية بالوقوف...فوقفتْ
تقدَّمت وزميلها من النافذة وألقت التحية وعلى شفتيها إبتسامة...طلبت مني أوراقي الثبوتية...فأعطيتها جواز سفري ورسالة من المحامي تثبت أنني تقدمت بطلب لتمديد (الفيزا) المنتهية....
لم يبدُ عليها أنها فهمت شيئاً مما في يدها...فانهالت علي بالأسئلة : أين تسكن؟؟؟ من أين أتيت...؟ لماذا أنت هنا...؟؟؟....
كنتُ أجيب باقتضاب مؤدب...والحق أنها كانت هي الأخرى مؤدبة جداً وغاية في اللطف والرقة...بينما زميلها يقف كصنم في انتظار أية بادرة (إرهابية) مني ليقوم باللازم .
طلبَتْ مني أن أفتح صندوق السيارة...وحين وجَدَته خالياً أعادت إليَّ أوراقي مرفقةً بكلمة شكر وابتسامة واسعة عذبة جعلتني ـ عندما عدت إلى مقعدي في السيارة ـ أنظر في المرآة لأتأمل (خلقتي) وأنا (مبسوط) .
وتابعت بأمانِ الله حتى لمحت على الجانب الآخر من الطريق سيارة شرطة تسير بالإتجاه المعاكس....
استنتجت فوراً أنَّ لوجودها في ذلك المكان علاقةً بي...
وفعلا...ومن خلال المرآة...رأيتُ السيارة تدور على أعقابها وتلحق بي مسرعة...حتى إذا وصلت خلفي تماماً هدأت من سرعتها وأخذت تتبعني على مهل...
استمرت المطاردة على تلك الحال خمس دقائق...قبل أن يبدأ (الأكشن)....
رأيت أضواء سيارة الشرطة تدور وتلمع وتبرق...إشعاراً بأن علي التوقف...فالتزمتْ يميني وتوقفت...فتوقفواعلى مقربة ....
الأفلام الأمريكية علمتنا أن علينا البقاء داخل السيارة إلى أن يطلب منا الشرطي النزول إن رأى لذلك ضرورة .
تحية أخرى...وابتسامة...وطلب أوراق...وأسئلة مشابهة لتلك التي سألتني اياها الشرطية من قبل....ثم أُطلق سراحي بعد أن أعيدت إليَّ أوراقي .
لكني استغربت من بقائهم ورائي تماماً بعد أن تحركت بسيارتي مواصلاً طريقي...واستغربت أكثر عندما
اشتعلت أضواء السيارة تطالبني بالتوقف ثانية على يمين الطريق...ليتكرر المشهد ذاته ثانية...ومن ثم تتكرر المتابعة...حتى بات الموقف برمته سخيفاً جداً...و مسخرة
ما الذي يريدونه بالتحديد...؟؟...والسؤال الأهم : هل سيطلبون مني التوقف ثالثةً ...؟؟؟
وتلقيتُ الإجابة عندما وصلتُ الجسر الذي يعلو الطريق السريع ويصل إليه...
فلم أكد أصل إلى منتصفه حتى ظننتُ القيامة قد قامت لكثرة سيارات الشرطة التي حاصرتني من الخلف والأمام....
لا أذكرُ عددها تماما...لكنني أجزم بأنها لا تقل عن سبع...
(لو أن الموقف ذاته حدث لي في دولة عربية ولم أمت رعباً من فوري....لأستحييت أن أذكر لكم ردة فعل بطلكم الـ...........مخزية جراء ذلك )
أربعة من رجال الشرطة وقفوا بجوار النافذة... أخذ أحدهم أوراقي وغاب طويلاً هذه المرة...أما البقية فانهالواعلي بالأسئلة...
يبدو أن إجاباتي القصيرة الموحية بالغضب والملل...والتجهم المنبيء بثورة موشكة جعل الثلاثة يتبادلون النظرات في حيرة...وظهر لي جلياً بأنهم لا يعرفون شيئا عن حالة كهذه في قانونهم:
تأشيرة دخولي منتهية...ولكن الكتاب المرفق يزيل عني تهمة التجاوز...
بطل الفيلم : عربي
جواز السفر: أوروبي
رخصة السياقة : أمريكية...
مكان التصوير : الحدود الأمريكية مع المكسيك حيثُ تكثر عمليات التسلل والتهريب والمشاكل
أما الوقت فكان بالتحديد : بعد 11 سبتمبر بخمسة أشهر .
وانتهى المشهد....
عاد الشرطة إلى سياراتهم واختفواتدريجيا....
نفس الشرطي أعاد إلي أوراقي معتذرا بلطف وحياء...الأمر الذي شجعني على أن أصرخ لائماً معترضا على ما حدث...وهو يواصل التلفظ بعبارات الإعتذار...
ـ هل أنت متأكد أنكم لن توقفوني مرة رابعة...بل هي الخامسة إن أردت الحق...؟؟؟؟
ـ مؤكد...مؤكد...تستطيع الذهاب...يومك سعيد .
ـ كان كذلك...لكنكم جعلتموه تعيسا...تعيسا جداً .
لم يجب...
أدار ظهره ومضى إلى سيارته...وبقيت مكاني حتى اختفت السيارة عن الأنظار.

تابعت سيري عائدا إلى (هيوستن) وأنا في أعلى درجات التوتر...
لم أكن متوتراً بسبب ما حدث...بل بسبب ما لم يحدث...فلقد أمضيتُ الوقت كله في طريق عودتي متسائلاً :
لماذا لم أتصرف كما يتصرف الزملاء أبطال الأكشن في الأفلام الأخرى....؟
لو أن (جان كلود فان دام ) أو(سيلفستر ستالوني) أو(ستيفن سيغال) كان مكاني لمزقهم شرَّ ممزق...
لماذا لم أفعل وأشبعهم ضرباً... وألقي بأحدهم من على الجسر فيسقط فوق سيارة مسرعة...تصطدم بالتي إلى جانبها...
تتوالى الإصطدامات...
يبدأون بإطلاق الرصاص من جميع الجهات فلا تصيبني طلقة واحدة اثناء قيامي بالقفز عن الجسر لأسقط فوق شاحنة...ثم أقفز عنها لأستقر في المقعد الأمامي لإحدى السيارت المكشوفة التي تقودها الممثلة التي تشاركني بطولة الفيلم ....(تشارليز ثيرون) أجمل نساء العالم.
.
لماذااااااااا؟؟؟؟؟

***