سيارة انجليزية

ـــــــــــــــــــــــــــــ

.
حتى وإن كنتم جميعاً تعرفون أن السيارات البريطانيةـ كما دولٍ أخرى كالهند والباكستان ـ تختلفُ عن غيرها في باقي دول العالم لِكونِ مِقودها (الستيرنغ) موجودٌ على اليمين لا على الشمال.... ـ إلا أنكم ـ ومن دون شك ـ لن تتخيلوا ما قد يسببهُ هذا الإختلاف من ارتباكاتٍ ومفارقاتٍ لمن يركبها كمسافر...فكيف يكون الحالُ لمن تضطره الظروف ليقود إحداها لأولِ مرة...
حين دخلت بريطانيا سائقاً...دخلتها بسيارة ذات مِقود عادي...على الشمال...
.
سألتُ الشرطية الإنجليزية وهي تنظر في وثائقي الثبوتية أنا ومرافقي في الميناء :ـ
ـ هل سأجد صعوبة في القيادة على يسار الطريق بسيارتي هذه يا سيدتي...؟
ـ أهيَ المرة الأولى في بريطانيا...؟
ـ كسائق...نعم
ـ لا تخف...ولكن عليكَ توخي الحذر حتى تعتاد على الإختلاف...
.
الحقيقة التي اكتشفتها فيما بعد أنهُ لا فرق هناك بين أن تقودَ سيارة مقودها على اليسار في بلدٍ تسير فيه السيارات ـ أيضاً ـ على اليسار ... وبين قيادة سيارةمقودها على اليمين في بلدٍ تسيرُ فيه السيارت على اليمين..ففي الإثنتين كارثةٌ محتملة...
.
الأصل والمعتاد أن تكون العلاقة بين المقود والطريق عكسية...
.
سياراتنا في الأردن ـ كلها ـ ستيرنغ شمال...أما مسارها فعلى يمين الطريق...
.
لتوضيح الأمر أكثر : دعنا نفترض أنك اضطررتَ لتسوق سيارتك الأردنية في بريطانيا...حيثُ يُلزمك قانون السير الإنجليزي بالمسير على يسار الطريق...
.
أنت جالسٌ في سيارتك على اليسار...وتقودها على يسار طريقٍ باتجاهين...
.
تخيل معي أن أمامك شاحنة تسير على مهلها...أردت أن تتجاوزها...
.
الشاحنة تحجب عنك الطريق فلا تستطيعَ أن ترى السيارات القادمة بالإتجاهِ المعاكس...ستضطر إلى البقاءِ خلفها إلى أن يحكم اللهُ بالفرج...
.
لذا...فقد اعتمدتُ على وجود صديقي (عزمي) ـ ابن خالة عماد لبنية ‏‎smile‎‏ رمز تعبيري ـ معي...وطلبتُ منهُ أن يراقب الطريق كلما هممت بالتجاوز :
.
ـ استنى شوي...في سيارة جاي...لا...استنى...في واحدة ثانية...يلَّا جهز حالك بعد هاي السيارة...هسا بتقدر تتجاوز...لا...لا ابو اليمان...هدَّي يا زلمة...بدك تظيعنا...؟ ....في سيارة ثانية جاي ما كنت شايفها...يا زلمة والله ما انا عارف شو اللي جابني معك....
.
ولولا لطفُ اللهِ بنا...لكنتُ و (عزمي) الآن في الدار الآخرة...أو على الأقل في إحدى مستشفيات المملكة المتحدة ـ بسببي أنا... طبعاً ـ
.
مع الأيام إعتدتُ الأمرَ فأصبحَت قيادة أية سيارة على أي جانبٍ من الطريق...عادية جداً...لكنَّ الأمر لم يخلُ أبداً من مفارقاتٍ وطرائف...سأدوَّنها كـحلقاتٍ مسلسلة كلما سنحت لي الفرصة بذلك .

.
1) مَنْ السائق..؟
ـــــــــــــــــــ
.
على اتوستراد (المزة) في دمشق ـ أيام كانت دمشقُ دمشقْ ـ أوقفنا سيارتنا الإنجليزية أنا ورفيق الدرب الخالد : (عماد لبنية) أمام شابين يجلسانِ على قارعة الطريق...بعد رحلةٍ استمرت أربعة أيام...كانت قد بدأت من (مانشتر ـ بريطانيا) متجهةً إلى (اربد ـ الأردن) مروراً بـالدول التالية :
(بريطانيا)...فرنسا...بلجيكا....هولندا...المانيا...النمسا....هنغاريا....رومانيا...
بلغاريا...تركيا ...سوريا...(الأردن)
كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة ليلاً بقليل...وكنت قد أضعتُ طريقي...فتوقفتُ لأسأل...
أخرجتُ رأسي من نافذة السيارة :ـ
ـ مسا الخير شباب...باللهِ طريق الأردن لو سمحتوا...منين...؟
ترك أحدُ الشابين مقعده على الرصيف واقترب من النافذة...وأخذ يشرح...
كان يقف بمحاذاتي تماماً ـ أي على يمين السيارة ـ لكنَّ كلامهُ لم يكن موجهاً لي...بل لـِ (عماد لبنية)...
انا اسأل الشاب...و هو يجيب لبنية على اعتبار أنه السائق...إذ لم يكن قد انتبه بعد إلى مقود السيارة...
تكرار الأمر جعل صديقي الـ (لبنية) (ينرفز) ويثور...ثم يصيح بالشاب
ـ مشيراً إلي ـ :
ـ يا زلمة ليش بتحكي معي أنا...إحكي معو هوو...مِش أنا اللي بسوق .
.
هنا انتبه الشاب إلى مقود السيارة...واحتاج بضعة ثوان لكي يستوعب الأمر...أغرق بعدها بالضحك هو وزميله الذي هبَّ مسرعاً ليرى هذه الأعجوبة....وضحكتُ أنا..بينما ظل عماد لبنية عابساً .
.
2) طــفل
ــــــــ
.
في السيارة وحدي...اسير على مهل في أحد شوارع اربد الملأى بالحفر...
طفلٌ على قارعة الطريق يسير خلف أمه...التفت نحوي...رآني جالساً على اليمين...بينما المقعد على اليسار فارغاً...والسيارة تسير...هتفَ
بـِ أمهِ بصوتٍ عال :
ـ يُمَّـا...يُمَّا...شوفي السيارة...ماشية لحالها من غير سايق .
.
3) كم عمرها..؟
ـــــــــــــــــ
.
كانت ابنتي (ليلى) ـ في العاشرة من عمرها ـ تجلسُ إلى يساري في المقعد الأمامي في السيارة (والمفترض أن يكون مقعد السائق في السيارات العادية )
عندما توقفنا أمام محل بيع الخضار القريب من منزلنا في مدينة اربد....
لم افهم فورا سبب نظرة الرجل البسيط صاحب المحل الذي كان يقف خارجه عند وصولنا ...إذ ظل ينظر إلينا منذ ترجلنا من السيارة حتى لحظة دفع الحساب....ليقول والدهشة ناطقة في عينيه :ـ
ـ قديش عمر بنتك استاذ...؟
ـ عشر سنوات...
ـ يااااااه...ومعلمها السواقة من هسا...والله انك صح...لازم كل واحد يعلم
ولادو السواقة من أول ما يولدوا .


للشيخ صالح قصتان طريفتان مع سيارتي الإنجليزية...فقد كان ـ عليه رحمة ربي ـ وجهاً من وجوه (اربد) ومَعْـلماً من معالمها بدون أدنى مبالغة...
ولستُ أظنُ أن فيها من لا يعرفهُ ولو بالشكل...
.
اسألُ نفسي أحياناً :
كم من شخصٍ من سكان (اربد) كان قد رأى والدي الشيخ راكباً إلى جانبي في تلك السيارة...؟؟؟
وتُرى... ما الذي فكروا فيهِ عندها...؟؟؟ وكيف حللوا الأمر ليستوعبوه...؟؟؟
لا أستبعدُ أن يكون البسطاء منهم قد فسروا ذلك على أنهُ معجزة....
ولا استبعد أن كثيراً منهم حينَ عاد إلى بيتهِ أتهمه أهلهِ بالكذب أو الجنون عندما قال لهم أنهُ رأى الشيخ أبوعماد الكفيف يقود سيارة...
.
.
4) ذهبنا إلى (الزرقاء) لزيارة ابنة عمتي القادمة من قطر في إجازتها السنوية...والتي كانت تنزل في بيتِ أهلِ زوجها هناك...
الشيخ صالح يجلسُ إلى جانبي في السيارة...بينما تجلس (الحجة ) وأختين من أخواتي في المقعد الخلفي...
أوقفتُ السيارة على مقربةٍ من البيت بعد ان تجاوزته بأمتار...ودخلنا...حيث تعارفنا وأهل الزوج...وقضينا ما تيسر لنا من الوقتِ معهم...ثم استأذنا بالخروج...
شيعتنا ابنة عمتي وزوجها ووالده الكهل إلى خارج المنزل...ووقفوا أمام الباب في انتظار ركوبنا السيارة ومغادرتنا المكان....
أخذتُ بيد والدي...وفتحتُ باب السيارة الأيسر...وأجلسته فيه....ثم توجهت لمقعدي على اليمين...
.
علمتُ فيما بعد أن الرجل الطيب ـ والد الزوج ـ عقَدَت المفاجأة لسانه...
وعندما دار محرك السيارة لم يستطع أن يكتم ما بنفسه أكثر...فمال على زوجة ابنه (بنت عمتي) وقال :
ـ ليش...هو الشيخ صالح بيعرف يسوق...!!!!!!؟
.
.
5) في طريق عودتنا من (عمان) ذات مرة...أوقفتنا (دورية الشرطة) الثابتة على اتوستراد اربد عمان في منطقة مدينة (جرش)...
الشيخ صالح إلى يساري...
وبحكم المعتاد والمتعارف عليه تقدَّم الشرطي من النافذة اليسرى للسيارة...ليطلب الرخص...
تعجزُ لغتي عن وصف تعبير وجه الشرطي عندما وقع بصرهُ على السائق... ظل لثوانٍ عديدة صامتاً يجيل الطرف بوجه الشيخ الكفيف الذي يقود السيارة...
هممتُ بأن أقول لهُ أنني أنا من يقودها لا والدي...لكنه سبقني بالكلام بعد أن تراجع خطوة إلى الخلف واشار بيسراهُ إلى الأمام ـ سامحاً لنا بمتابعة المسير ـ وهو يهمسُ بصوتٌ مرتجف :ـ
ـ تفضل يا شيخ...تفضل...تفضل .
.
أنا واثقٌ تمام الثقة أن ذلك (الشرطي) لم يذكر لأحدٍ من رؤسائهِ أو زملائهِ شيئاً عن هذا الموقف...لكنهُ عندما عاد ألى بيتهِ مرتعش القلبِ والقامة...أخذ بيدِ زوجتهِ إلى المطبخ بعيداً عن الأولاد وهمس في أذنها :ـ
ـ بعرف إنك مش رايحة تصدقيني...بس اقسم بالله إنو مر من عندي اليوم شيخ اعمى سايق سيارة...

****