الرحيل

ــــــــــــــــــــــ

12/8

- لن تستطيع الإقامة في (بلجيكا)

قفزتُ من سريري كالملسوع...ووقفت أمام (صلاح) أدعوه بعينيّ المحمرتين الممتلئتين ببقايا كوابيس المنام أن يتكلم ولا ينتظــر أسئلتي.

قال بعد تردد:
- عرضت القضية بالأمس على أحد أفضل المحامين المختصين بشؤون الأجانب فبدا متفائلاً خصوصاً عندما علم بـِ ...

سكت وأخذ ينقر بأصابعه على حافة المكتب...

قلتُ بفارغ صبر مكملاً:
- علم بمرضي ... أكمل....

- قال انه سيستغل هذه النقطة في الضغط على (بوليس الأجانب) عازفاً على وتر الإنسانية ... بحجة أن الطب هنا متقدم أكثر وأنت بحاجة للعلاج ...و...

- لكن ..؟

- لكنه لم ينجح ... اتصل بي هذا الصباح ليعلمني بذلك.

لم أقل شيئاً ... غسلتُ وجهي وجلست على كرسي المكتب ... لم أعد أرى مما حولي غير صورة شقيقي الأصغر المعلقة على الجدار.

- قل شيئاً!!

كانت تلك أول جملة أسمعها من( صلاح) بعد صمتٍ طويل ... قلتُ بعصبية:

- وماذا أقول!!؟

- قد تكون هناك وسيلة أخرى.

لم أجب وعاودت النظر إلى عينَي شقيقي ... نظرته كانت تقول:

- أنتَ على الرحب والسعة إن عدت.
واغروقت عيناي بالدموع ...

دخلت (كرستل) بعد أن قرعت الباب ... كانت عيونها مخضلة .. قال صلاح:
- لقد أمضت الصباح تبكي...

شدت على يدي ومسحت بيدها فوق رأسي وقالت:
- سنحاول ... لن نيأس ... سأهددهم بالانتحار إن أصروا على إخراجك من (بلجيكا).

ضحكتُ رغماً عني ... وضحك صلاح ... قلت:
- يكفيني هذا الشعور .. ليتهم يملكون قلوباً كقلبك.

- أنا أعني ما أقول ... صدقني ... على كل حال سنمدد (الفيزا) أولاً ثم نستغل الوقت لإيجاد حل ... ثم...لماذا لا تبقى حتى وإن لم تحصل على الإقامة ....؟ الآلاف هنا على هذه الحال ... وبخصوص العلاج والعملية فسيكون ذلك على حساب التأمين الصحي الخاص بـ (صلاح) ... بطاقة التأمين الصحي لا صورة عليها ... وحتى إن علموا فهم لا يمانعون ... الطب مهنة إنسانية لا تجارية.

شعرت بالأمل يتسرب إلى قلبي من جديد ... فنظرت إلى (كرستل) وقلت:
- لا أملك غير هذا الخيار ... سنأملُ ونحاول ... ما دمنا لا نملك إلاّ نأملُ ونحاول.

13/8

استيقظت صباحاً .. لم أجد لدي الرغبة في الأكل أو فعل أي شيء آخر ... قررت الذهاب إلى غرفة (صلاح).

التقيت (كرستل) في الطريق فمشينا معاً ... كانت حزينة كما كانت بالأمس تحاول أن تتجاوز أحزانها لتضحكني:
- لن تسافر... لقد بدأت التهديد بالأمس ... قلت لوالدي: إن سافر (ياسر) سأنتحر ... فسألني بدهشة: ألم تقولي أن الشاب الذي تحبينه اسمه (صلاح) ...؟ هل ابدلتيه بهذه السرعة؟ فضحكتُ وقلت: أنا أحب (صلاح) ولكن...أحبُ ياسر( أكثر) ... وقصصتُ عليه القصة كاملة فوعدني بالمساعدة.

لم أتوقف عن الضحك طوال الطريق ... كانت (كرستل) تتحدث بعفوية وبساطة كطفلة ...
.. سألتها:

- هل اتصلت (فيرلا) ..؟

قالت وهي تنظر إلي بإشفاق:
- أما زلت تفكر بها!؟

- لو كنت نسيتها لفكرت بها الآن...
الآن بالذات أنا بحاجتها أكثر من أي وقت مضى ... أعلم أنها لم تكن لي يوماً ولن تكون...لكني لا أستطيع أن أمنع نفسي من الحنين لجلسة بين يديها تنسيني حياتي.

وسكتُ قليلاً ثم قلت:
- تخيلي أن (صلاح) سافر ولن يعود.

رفعت يدها بحركة لا إرادية:
- لا تُكمل أرجوك
وعاودتها الدموع فدمعت عيوني.

"أين أنت الآن يا (فيرلا).. كم أتمنى لو أنك أجلتِ رحيلك عن هذه المدينة قليلاً ... ترى أتفكرين بي ..!!؟ أم أنك مكتفية بـ(فيليب)؟
ليتك معي الآن فكم أنا بحاجتك".

كل شيء حولي يثير الحزن فيّ ويبعث الدموع في مآقيّ ... آلام كبيرة استوطنت قلبي بدل الآمال الكبير ... وحلّ الترقبُ والانتظار والخوف محل الهدوء والسكينة والأمان.
عاودني شعور بعدم الرضا عن النفس وعن قرار البقاء ... ماذا أفعل هنا والمكتوب مكتوب!!؟ كيف أضمن أنني لن أموت تحت مبضع الجراح غريباً بعيداً عن وطني وأهلي..؟
أفتقدُ كل إحساس بالسعادة ... العمل توقف ... ذلك العمل التافه في المطعم توقف ... جلي وكنس ومسح...كنتُ سعيداً بتمضية الوقت في حركة ونشاط بدلاً من النوم المتواصل ... أما الآن فالوحدة تلفني وسعادة الحب المأمول دفنت برحيل (فيرلا) عن هذه المدينة للزواج القريب من (فيليب).

مرت صورة (فيرلا) بذهني ثم طغت صورة المرض فازداد وجومي وخرجت من غرفة (صلاح) قبل عودته من درس اللغة، وعدتُ إلى غرفتي أتجول بها .. شعرت بالاختناق ... فتحت النافذة ورحتُ أرقب الأشجار العارية ... شبهتها بقلبي الذي تساقطت أوراقه وهو في ربيع العمر.

"لماذا هذا التجاهل يا (فيرلا) ... شهور ثلاثة مضت لم يصلني منك فيها ولا حتى السلام ... ليس لي عليك حق ... أعلمُ ذلك...ولكن... لقلبك الرقيق حق عليكِ... حقه أن تعبري عن رقته ولو بكلمة أو رسالة

... أسعيدة أنت بوجود (فيليب) إلى جانبك؟ لو كنت أعلم أنك سعيدة لهان الأمر ... أعلمُ أن لا ذنب لك في عذابي وأحزاني ... ولكنها كلمة ... كلمة واحدة يا (فيرلا) لا أكثر."

22/1

أحسُ من جديد بغصة حزنٍ ورغبة بالبكاء والصراخ ... لو كنتُ أدري أنَّ ما حدث كان سيحدث لما استبدلتُ لحظة نزع واحدة بين أهلي بمال العالم كله ...
فارقتهم وفارقتُ أصدقاء عمري ومسقط رأسي وذكرياتي لاستبدل ذلك كله بحياة الوحدة والغربة والقلق ... كنتُ أظن بأن الغربة مهما كانت شحيحة ستعطيني أكثر مما لدي وتغيّر فيّ ما لم يكن يروقني فوجدتها تزيدني فقراً وثباتاً على حالي ... وترسخُ فيَّ مشاعري وميولي أكثر من ذي قبل ... تنمي أحاسيسي التي كانت .. وتزيد آلامي بهذا المرض الذي جاء ليختتم المأساة...
وجدتُ الغربة تزيدني حباً لوطني وأهلي وناسي وعاداتي وتقاليدي وديني وعروبتي ... حتى ضعفي غدوت أحبه واحترمه إذ أدركت أنه لم يكن ضعفاً بل قوة ... كنتُ قوياً بثباتي ... لم تبدلني الأيام ... أو تغيرني تقلبات الزمن ... كنتُ( ياسر) وبقيت( ياسر) وها أنا هنا ما زلت (ياسر) وسأبقى...

كم كنتُ غبياً حين ظننتُ أن حبي لـ (فيرلا) وحبها المأمول كانا سينسياني حياتي السابقة... أو يخففا على الأقل من حُرقة بعدي عنها ... تركتني (فيرلا) ورحلت مع (فيليب) إلى تلك المدينة النائية حيث يسكن أهله الأثرياء ... رحلت لتتزوج من ذات الشخص الذي لم تكن تترك فرصة للتعبير عن استيائها من طريقة معاملته لها إلاّ واستغلتها ...
كم بكت وهي تحدثني حتى لقد ظننتُ يوماً أنها تنتظر مني كلمة أو إشارة تشجيع لتتركه غير آسفة عليه وتكون لي ... لكنني لم أفعل ... منعني احترامي لنفسي عن أن أستغل الموقف لصالحي ... كنتُ أريدها هي أن تختارني بكامل إرادتها ووعيها دون ضغوط من أي نوع... ولم تفعل.
وحتى لو فعلت واختارتني لما غير ذلك شيئاً ... بل كان سيدفعني للعودة إلى وطني بسرعة أكبر .. فأنا مذ رأيتها أول مرة رحت أحلمُ بزواجي منها وعودتنا معاً للاستقرار هناك.
ما زلت (ياسر) الذي فارق بلده قبل أشهر ستة ويحسُ لشوقه وحنينه بأنه فارقها منذ عشرات السنين.

- أي شيء في بلادكم يدعو للفرح؟
قلتُ لـ(كرستل) في حالة من حالات العصبية التي كانت تنتابني.

أجابت باقتناع:
- معك حق ... أنا أكره كل شيء في هذه البلاد.
وأطرقت فخيّم الصمت قليلاً.

- أتحب أن تنام في غرفتي هذه الليلة فأنا ذاهبة مع (صلاح) إلى بيت أهلي ليتعرف إليهم؟
ضحكت محاولاً تغيير الموضوع والتهرب من الإجابة.
- إذاً سيرى (صلاح) حماته للمرة الأولى ... أنا واثق أنها ستحبه.

- بالتأكيد ... قل لي هل ستنام في غرفتي ..؟

- سريرك قصير جداً

ضحكت وقالت:
- نم في غرفة (فيرلا) إذاً .. لا داعي للذهاب إلى غرفتك الباردة جدا ... غرفة (فيرلا) ما زالت موجودة ومفتاحها معي.
رفعتُ حاجبيّ أنْ لا ولم أتكلم.

(وكرستل) لم تعلق على الموضوع.

في الطريق إلى غرفتي مررت أمام المبنى الذي كانت (فيرلا) تسكنُ إحدى غرفه ... تلك الغرفة التي شهدت أحلى جلساتنا الشاعرية ... لقد كنّا عاشقين تحت اسم الصداقة ...

(كرستل) تحاول دائماً أن تدفعني نحو عالم (فيرلا) وشعور في داخلي يمنعني من الاقتراب جسدياً من ذلك العالم ... أخشى أن أدخل غرفتها فأرى صورتها أو ألمس شيئاً من أشيائها أو أنام حيث كانت تنام أو أجلس حيث كنّا نجلس...يجب أن أنهي (فيرلا) من حياتي فلماذا أعذّب نفسي .. حاولتُ أن أقنع نفسي أنني لم أعد أحبّها ... لعلي لم أعد أحبها ... هه ما أسهل أن أقول نعم وما أصعب أن أعنيها.

10/2

- هناك خبر سيسرك
قالت (كرستل) وملء عيونها السعادة.

- لا أظن أن في هذه الدنيا خبراً سيسرني

- حتى وإن كان عن (فيرلا)؟

سألت بلا مبالاة دُهشت لها (كرستل):
- هل اتصلت ...؟

- نعم وستأتي غداً وطلبت مني أن أعلمك بهذا...

- (وفيليب)..؟

- لن يأتي معها ... ستكون وحدها وستنام في غرفتها بعد أن تسهر معنا.

فكرتُ قليلاً قبل أن أقول:
- لن أتمكن من المجيء...أبلغيها سلامي...

ازدادت دهشة (كرستل) ونظرت إلى صلاح الذي سألني:
- ولماذا ...؟

- لا أدري

- غريب!!

- ما الغريب في ذلك يا (صلاح) .. أحاول أن أبتعد عن إنسانة تسبب لي رؤيتها التعاسة ليس أكثر ... ألم تنصحاني كلاكما بذلك ..؟

- لقد نصحناك فعلاً لكننا لم نشعر أنك عملت بنصيحتنا أو حتى قبلتها

- سأعمل بها منذ الغد

- كما تريد ... سنقول لها أننا لم نتمكن من إبلاغك

- هذا أفضل لي ولها

قالت (كرستل) برقة متناهية:
- أنا آسفة لأجلك يا (ياسر)

- لا تأسفي ... ذلك أفضل لي ... لا أريد شيئاً يربطني بهذه البلاد ... وإذا كُتب لي أن أتجاوز العملية بنجاح عدتُ إلى وطني لا ألوي على شيء.

- ألن تحضر حفلة عرسنا ..؟

- حفلة عرسكما الحقيقية ستكون هناك ... في الوطن ... وطنك يا (كرستل)

- نعم ... نعم ... في الوطن ... إنه وطني أيضاً .. كم أحبه وأشتاق إليه...إنهُ وطني الحقيقي.

11/2

لم أكن أريد أن أصحو ... وعندما صحوت لم أشعر برغبة في النهوض من الفراش مع أن الساعة كانت قد تجاوزت الخامسة مساءً.

كنتُ منقبض الصدر ... تجتاحني الوساوس ... خائفاً من قرار الأمس ... خائفاً أن أتراجع...فلي نفس ضعيفة في مثل هذه المواقف...ولا أضمن إن قمتُ وعاودتني الذكريات أن نفسي لن تدفعني إلى الذهاب هناك لأرى (فيرلا) ... وماذا بعد رؤيتها غير تجدد الحسرة وازدياد الهموم ... المشكلة أنها هي نفسها لا ترحمني ولا تشفق علي من رقتها ولطفها واهتمامها وحديثها الدائم عن مشاكلها مع (فيليب) ... ليتها كانت تعاملني بطريقة عادية...وليتها سعيدة مع (فيليب) لهان الأمرُ عليّ ... هي تتعذب معه ... وهي أرقُ من النسيم معي ... وذلك الحزن الذي أراه في عينيها وهي ترنو إليّ يزيد الطين بلة ... يجعلني أتأكد من أنها تعرف حقيقة شعوري تجاهها ... ذلك الشعور الذي ما فتئت حتى يوم رحيلها تزيده وتشعله ... لم أكن أدري لماذا؟ كأنها لا تجد نفسها ولا سعادتها مع (فيليب) في الوقت الذي تشفق فيه من ضياع خمس سنوات هي عمر علاقتهما إن هي ابتعدت عنه واستبدلته بسواه.

لم أدرِ كم مر من الوقت وأنا أحدق في سقف الغرفة عندما سمعتُ صوت أقدام تصعد الدرج ثم تتوقف عند بابي ويطرقهُ صاحبها.

ظننتُ الطارق جاري الساكن أسفل مني والذي اعتاد من يوم إلى آخر أن يطرق بابي مهدداً ومتوعداً بأن يشكوني لصاحب المبنى بسبب الضجة التي تصدرُ عن التلفاز، فقُمت إلى الباب وفي نيتي أن أطور الأمر إلى مشكلة ... أنا منذُ فترة طويلة لم أرفع صوت التلفاز أو يصدر عن غرفتي أي ضجيج.

حين فتحت الباب ... تجمدت الكلمات على لساني وانقلبت مشاعري إلى الضد ... كانت هي (فيرلا) تنظر إلي وتبتسم.
نطقتُ أخيراً بدهشة ولهفة وفرح:
ـ (فيرلا)!!!

- غريب أليس كذلك..؟

- إنها المرة الأولى التي ....

قاطعتني متسائلة:
- ألن تدعوني للدخول..؟

- آسف ... آسف ... تفضلي ... المعذرة ... غرفتي سيئة الترتيب هذا النهار.

قالت وهي تزيح الملابس من على الكنبة وتضحك:
- ليس هذا النهار فحسب ... بل هي هكذا دائماً ... أعرفتُ ذلك قبل حضوري.

كنتُ قد بدأتُ أستوعب الحدث الذي لم يكن متوقعاً ... فهدأ اضطرابي ووجدتُ نفسي ابتسم رغم خجلي من سوء تنظيم الغرفة.

- (كرستل) هي التي حدثتك عن سوء ترتيب غرفتي ... أليس كذلك..؟

- إنها غرفة جميلة على كل حال.

- شكراً على المجاملة.

- ليست مجاملة صدقني ... لقد وجدتها كما تخيلتها.

- ما رأيك بفنجان شاي ...؟

- شاي عربي؟

- طبعاً ... أعرف أنك تحبينه

رحت أعدُ الابريق لأضعه على النار بينما راحت تقلب صفحات كتاب كان على المكتب.

بدا عليها التردد قبل أن تقول:
- أنا آسفة لأجل حالتك الصحية

- شكراً لك

- هل هناك جديد؟

- لا شيء سوى ما يعرفه الجميع عن موعد العملية ... الحقيقة أنني أرغب في العودة قبل إجرائها ولكني لا أجد الشجاعة لفعل ذلك.

- والإقامة !!؟

- لم يعد أمرها يهمني.

- أنصحك أن لا تسافر قبل إجراء العملية.

- أريد أن ...

وصمتُ هنيهة فسألتني:
- تريد ماذا ...؟ أكمل...

- أريد أن أموت هناك.

قالت بعصبية:
- لا تقل هذا أرجوك

- إنه احتمال وارد ... لماذا لا نعترف!!؟

لم تجب
سمعتُ صوت الماء يغلي فأسرعت إليه...
سكبت كوبين وناولتها كوباً فارتجفت يدي إذ التقت عيوننا .

- ما أخبار (فيليب)...؟

تغير وجهها ... فاستدركت:
- آسف ... أهناك شيء ...؟

- بعض المشاكل الصغيرة

لم أعلق فقالت:
- لم تسألني عن طبيعة هذه المشاكل !!

- لا يحق لي التدخل بينكما

- أنت صديق

- ربما

- ياسر ... ما بك!!؟

- لا شيء يا (فيرلا) ... لاشيء ... لا أحبذ التدخل بينكما خشية أن أزيد من تعقيد الأمور.

- رأيك يهمني جداً

قلت بنبرة جافة
- ولماذا يهمك رأيي..؟

- قلتُ لك أنت صديقي

- أنا صديق حديث العهد ... لديك ألف صديق غيري ... يعرفونك قبلي ... وهم أولى بالتدخل مني.

جفاف نبرتي أدهشها ... لأول مرة أكلمها بهذه الصورة...

- أنت غير طبيعي هذا اليوم ... أتحب أن نخرج قليلاً ... هيا سأنتظرك خارجاً ... استبدل ملابسك ... سنذهب إلى السينما أو نجلس في مقهى.

لم أستطع الرفض ... استسلمت ... ماذا سيحدث لو خرجت معها؟ .. أعرف حجمي عندها .. أعرف معنى علاقتي بها .. أعرفُ النهاية ... وما دمتُ أعرف النهاية وأتصورها فلماذا أخاف؟ ... أنا بحاجة إليها فعلاً هذه الأيام ... على الأقل ليخفف حزني بهذا الحب أحزان مرضي ومخاوفه ... لهفي على نفسي التي لا تجد لأحزانها علاجاً إلاّ بالأحزان.

.. فيلم حزين ذلك الذي شاهدناه ... جعل دموعي تنهمر بصمت ... لعلي بكيت على نفسي لا على القصة ... لا أدري ... حمدت للظلام ستره فلم تر (فيرلا) دموعي ... لكنها لاحظت احمرار عيوني عندما أضيئت الأنوار ... كانت هي الأخرى قد بكت.

في المقهى تعلقت عيوننا المحمرة ببعضها ... شعرت أن كلينا على وشك الانفجار نحيباً فطأطأت رأسي لاستجمع قواي الخائرة وأبحث عن موضوع يبعدننا عن مشاعر الحزن التي تلفنا.

سبقتني للحديث:
- عدني أن تبقى هنا إن نجحت العملية.

- ولماذا أبقى ..؟

ترددت قليلاً قبل أن تقول:
- لأجلي.

نظرتُ في عينيها من جديد ... كان ملؤهما حب جلي :
- لأجلك أترك الدنيا... أنت تعرفين ذلك ... ولكني لأجلك سأسافر .. بقائي عذاب لكلينا ... دعينا نستسلم قبل أن نخوض معركة خاسرة ... دعينا ننتهي قبل أن نبدأ ..

- لكني سأفتقدك كثيراً إن سافرت

- وأنا سأفتقدك أكثر.

- لن أنساك أبداً ... ليتني ... ليتني ..
وتوقفت الكلمات لتحكي عيناها المخضلتان ما لا يمكن أن تقوله شفتاها أبداً.

وحين خرجنا من المقهى في الثالثة صباحاً ... تشابكت أيدينا طوال الطريق ولم تنفرج شفاهنا عن كلمة قبل وصولنا إلى مدخل المبنى الذي تسكنُ :
- تصبحين على خير .

تساءلت باستغراب وأسى:
- ألن تدخل ..!!؟

- لا

- ولكن ... لماذا ..؟

- ذلك أفضل

أجابت كمن تحدث نفسها:
- نعم ذلك أفضل

ومالت إلي لتطبع فوق خدي قبلة من لهيب.
ولم أستطع أن أتمالك نفسي من البكاء وأنا في طريقي إلى غرفتي.

23/2

ربع ساعة تبقت من الوقت قبل دخولي إلى غرفة العمليات ... الجميع متفائلون .. (صلاح) .. (كرستل) .. وحتى (فيرلا) اتصلت مرتين هذا اليوم ... مرة مع الطبيب ... والأخرى معي لتقسم لي أن الطبيب طمأنها بأن الأمر محسوم والعملية ناجحة لا محالة...
ها هو الطبيب ومساعدوه يدخلون وعلى شفاههم جميعاً ابتسامات هادئة...

ـ إنتهت ـ

ع.ص.ن1990