الحافلة

ـــــــــــــــــــــــ


مكتظةٌ هذه الحافلة...
راكبوها أضعافَ أضعافِ مقاعدها...ربما : مقعدٌ واحد لكل....مليون .
.
الطريق تملأها حفرٌ يتجاوزها السائقُ ـ غالباً ـ دون خفضِ للسرعة...تهتزُ فأهتزُ معها...أميلُ على ذاك فيدفعني بقوةٍ تجعلني التصقُ بتلك....تظنني أتحرش فـــتصرخ.....ينظر إليَّ بعض الواقفين شزراً...وبعضهم غيرة وحسدا لموقعي (الإستراتيجي) على مقربةٍ من (الطراوة)....بينما يبتسمُ الجالسون ابتسامةً ذات مغزى تستثيرني حد الرغبة في صفعهم...
.
يعلمون أنني منذ بداية الرحلة وحتى سويعاتٍ قبل الآن كنتُ أحتلُ مقعداً وثيراً في المقدمة... لم يرغمني أحدٌ على تركه...قمتُ مختاراً لأدعو تلك السيدة الجميلة للجلوس مكاني...وحين قامت عنهُ ـ لسبب ما ـ أعطتهُ لغيري .
.
يجيء المفتشُ يطلبُ مني ـ للمرة الألف ـ إبراز تذكرتي...اُبرزها لهُ صاغراً دون تأفف...
ـ ألا أيعلم أنني كنتُ أحتلُ مقعدا وثيرا في المقدمة..!؟
ـ بالتأكيد...
ـ فكيفَ يجرؤ...؟
ـ ما أعطاه الجرأة هو عِـلمُـهُ بأنك لم تعُد تحتله .

لم يكن يجرؤ على أن يطلب من أصحاب المقاعِدِ تذاكرهم...بل يطأطيء رأسهُ ويمضي متابعاً جولتهِ الرتيبة باحثاً بين ضعاف الواقفين عن مخالفٍ ينقلهُ إلى ذيل الحافلة أو يرمي بهِ من إحدى نوافذها .
.
كنا كثيراً ما نقف عند محطاتٍ ضبابية...فينزل منا خلقٌ كثير جُـلَّـهُ من الأطفال والنساء والشيوخ...ترى بعضُ الواقفين حزانى...بينما لا تلوح على سيماء وجوه الكثير من الجالسين أية تعابير....و البقية إما ضاحكة أو تتمتم بكلماتٍ غير مفهومة تسمع فيها نبرة حزن جلي التصنع .
وتمضي الرحلة...ويزدادالضيق...
ولولا بضعة ركابٍ ظلوا ينثرونَ على مرآي وسمعي مواقف النبل والمروءة...لكنتُ ارتميت على ارض الحافلة تدوسني اقدام الغادين والرائحين...أو نزلتُ منها مختاراً متجاوزاً التعاليم الصارمة بلزوم البقاء فيها حتى وصولي إلى نقطةٍ يحرمُ علي تجاوزها لما يليها .

ـ رحماكم...أريدُ النزول...

المفتش :
ـ ابقَ مكانك أو ألقي بكَ إلى ذيلها...وما أدراك ما ذيلها...!!!

السائق :
ـ اصمد و...اصمت أكرم لك وأشرف...وإلا.....وما أدراك ما (إلا)..!!!

القانون :
ـ لم تصل محطتك بعد...وكل ملامحك تدل على أنك أوشكت .

99% من الركاب :
ـ إنزل...إنزل...إنزل

البقية :
ـ لا...لا...نحن نريدك...نحبك...لا نتخيل البقاء إن لم تكن...وكثيرون منا مرتبطة سعادتهم بك...لا تتركنا...نرجوك .
تختلط الأصوات...تتداخل الكلمات...ثم تتلاشى...

أصمتُ هنيهةً قبل أن اعاود الصراخ :
ـ رحماكم...اريدُ النزول..

ويبقى الحال على ما هو عليهِ في انتظار الوصول إلى المحطة الأخيرة .
.
***